بغداد ـ كتابات في الميزان
دخلت العلاقة بين رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي و«كتائب حزب الله» مرحلة من التوتر العلني، على خلفية خلافات بشأن تفاهمات سابقة تتعلق بالسلاح ومشاركة الفصائل في مؤسسات الدولة، بحسب تقرير نشرته صحيفة «المدى» نقلًا عن مصادر قريبة من المفاوضات.
وتشير رواية المصادر إلى أن انتقال إدارة الملف من لجنة قيادية داخل الإطار التنسيقي إلى رئيس الحكومة لم يكن إجراءً تنظيميًا فحسب، بل رافقته مراجعة للشروط التي جرى التفاوض عليها مع الجماعات المسلحة، الأمر الذي أسهم في تفجير الخلاف ودفع الكتائب إلى توجيه انتقادات مباشرة للحكومة وقيادات الإطار.
تفاهمات سابقة أعادتها الحكومة إلى النقاش
ووفق المعلومات التي أوردتها الصحيفة، تولّى الزيدي المفاوضات المباشرة بعد الثلاثين من أيلول، وهو الموعد الذي يربطه التقرير بانسحاب القوات الأمريكية، بعدما كانت لجنة تضم هادي العامري ومحمد شياع السوداني ونوري المالكي، وانضم إليها لاحقًا همام حمودي، تتولى الحوار مع الفصائل منذ أشهر.
وتقول المصادر إن اللجنة توصّلت إلى ورقة موقّعة اشتملت على مطالب تتجاوز تسليم السلاح، بينها وضع جداول زمنية لإنهاء الوجود التركي وإخراج المعارضة الإيرانية من العراق، إلى جانب ترتيبات لإدماج الفصائل في مؤسسات الدولة وإشراكها في مواقع حكومية وأمنية.
غير أن رئيس الحكومة، بحسب عضو في التحالف الشيعي تحدث للصحيفة مشترطًا عدم كشف هويته، لم يُقرّ الشروط التي سبق التفاهم عليها، وخصوصًا تلك المتعلقة بـ«كتائب حزب الله»، وهو ما عدّه المصدر أحد الأسباب الأساسية للتصعيد الأخير.
مشاركة حكومية ضمن ترتيبات الملف
وبحسب التقرير، تزامنت التفاهمات مع حصول قوى مرتبطة بفصائل مسلحة على مواقع في الحكومة، بعد أن كانت مشاركتها العلنية تواجه قيودًا أو اعتراضات.
وأوردت الصحيفة أن حصة «كتائب سيد الشهداء»، بزعامة أبي آلاء الولائي، شملت وزارة السياحة، فيما نُسب إلى «كتائب الإمام علي»، بقيادة شبل الزيدي، الحصول على وزارة الاقتصاد الرقمي ورئاسة هيئة الطاقة الذرية، فضلًا عن مقعد ضمن مجموعة الـ12 في الإطار التنسيقي.
كما ذكر التقرير أن «عصائب أهل الحق»، بزعامة قيس الخزعلي، حصلت على وزارة العمل، إلى جانب منصب نائب رئيس الوزراء لشقيقه ليث الخزعلي.
وجاءت هذه الترتيبات، وفق الرواية المنشورة، بعد إعلان تسليم السلاح من خمس جماعات، هي «كتائب سيد الشهداء» و«كتائب الإمام علي» و«عصائب أهل الحق» و«سرايا السلام» التابعة لمقتدى الصدر و«أنصار الله الأوفياء».
ونقلت الصحيفة عن أوساط مقربة من رئيس الحكومة قولها إن الزيدي أجرى وساطة لدى المبعوث الأمريكي توم باراك، انتهت، بحسب تلك الأوساط، بإقناع الرئيس دونالد ترامب برفع القيود التي كانت تحول دون منح هذه الجماعات مواقع حكومية.
وتبقى هذه الرواية منسوبة إلى مصادر التقرير؛ إذ لا تتضمن المادة المتاحة قرارًا أمريكيًا منشورًا يوضح طبيعة رفع القيود أو نطاقه. وفي المقابل، ما زالت الصفحة الرسمية لبرنامج «المكافآت من أجل العدالة» تعرض مكافأة تصل إلى عشرة ملايين دولار مقابل معلومات عن هاشم فنيان رحيم السراجي، المعروف بأبي آلاء الولائي، وتورد التصنيفات الأمريكية المتعلقة به وبـ«كتائب سيد الشهداء».
مطالب تمتد إلى المنافذ والأجهزة الأمنية
وفيما يخص «كتائب حزب الله»، تحدثت تسريبات أوردها التقرير عن قائمة واسعة من المواقع المطلوبة ضمن التفاهمات السابقة، تشمل المنافذ الحدودية وحرس الحدود، ومواقع في هيئات الاستثمار بمحافظات البصرة وبغداد وكربلاء والمثنى والنجف.
وتضم القائمة المتداولة خمسة مواقع لوكلاء وزارات و32 منصبًا لمديرين عامين، إلى جانب مواقع أمنية في وزارتي الدفاع والداخلية وجهازي المخابرات والأمن الوطني.
وتقول المصادر إن الخلاف تعقّد بسبب غياب مقابل واضح لهذه المطالب يتعلق بتسليم السلاح، وانتهى الحوار إلى حالة انسداد. كما لا تتضمن المعلومات المنشورة اتفاقًا معلنًا يبيّن آلية نزع السلاح أو مراحل التنفيذ والجهات المكلفة بمتابعته.
تسريبات عن «فصائل الظل» ونفي للمسيّرة
وبموازاة الخلاف السياسي، نقل التقرير معلومات غير معلنة رسميًا عن احتمال تعليق «كتائب حزب الله» نشاطها المسلح مؤقتًا بقرار إيراني، بالتزامن مع ظهور مجموعات صغيرة بديلة يُشار إليها باسم «فصائل الظل».
وتنسب هذه التسريبات إلى المجموعات الجديدة هجمات استهدفت السعودية خلال أيلول، وإطلاق طائرة مسيّرة باتجاه المنطقة الخضراء خلال الأسبوع الماضي، من دون أن تقدم المادة المتاحة أدلة مستقلة تحسم مسؤولية تلك الجهات.
وكانت الكتائب قد نفت مسؤوليتها عن إطلاق المسيّرة، وأعلنت توقفها عن الأعمال المسلحة، فيما نسبت الهجوم إلى جهات وصفتها بأنها من «أصدقاء أمريكا».
بيان الكتائب يوسّع دائرة المواجهة
ولم يقتصر بيان الكتائب، الذي نقل مضامينه مسؤولها الأمني أبو مجاهد العساف، على نفي الهجوم، بل تضمّن اتهامات طالت إدارة الحكومة لملفات النفط والأجواء العراقية والحشد الشعبي والعلاقة مع إيران.
وبحسب ما أوردته الصحيفة، ادّعت الكتائب وجود صفقات نفطية يشارك فيها رئيس الحكومة وشقيقه ومسؤولون إماراتيون بالتنسيق مع توم باراك، كما تحدثت عن تحركات لطائرات إماراتية وسورية في الأجواء العراقية، واتهمت الحكومة بتغيير قانون الحشد الشعبي والموافقة على حصار إيران. ولم تتضمن المادة المتاحة ردًا حكوميًا تفصيليًا على هذه الاتهامات أو وثائق تثبتها.
أما النقطة الأكثر اتصالًا بمفاوضات السلاح، فكانت مطالبة الكتائب بالحصول على نسخة من الاتفاق الذي قالت إنه وُقّع مع لجنة الإطار، مع تأكيد تمسّكها بما تعتبره التزامات متبادلة. ويكشف هذا الموقف استمرار الخلاف بشأن مصير الورقة السابقة ومدى التزام الحكومة بمضامينها.
رهان على اجتماع الإطار لاحتواء الأزمة
وفي مقابل التصعيد، حاول عضو منظمة بدر محمود الحياني تخفيف حدة المواجهة، مشيرًا، في حديثه إلى «المدى»، إلى احتمال عدم دقة بعض المعلومات الواردة في البيان، ومحذرًا من محاولات تعميق الانقسام بين القوى الشيعية.
ورأى الحياني أن بعض الوقائع ربما جرت من دون اطلاع قيادات الإطار، وأن البيان قد يكون رسالة تدعوها إلى التحقق، لا تعبيرًا عن موقفها. كما لم يستبعد وجود تحركات تجري بعيدًا عن علمها، أو أن تكون الكتائب تسعى إلى توجيه الانتباه إلى طرف بعينه.
ويأتي الخلاف وسط توترات أخرى داخل التحالف، أشار التقرير إلى أنها تشمل العلاقة بين المالكي والسوداني، والاعتراضات على مساعي همام حمودي لتحويل الإطار إلى صيغة أقرب إلى مجلس قيادي. كما نقل انتقادات من أوساط قريبة من الفصائل لأدوار بعض القوى، ومنها «عصائب أهل الحق»، في مسار العمل المسلح منذ عام 2011.
ورجّح الحياني أن يُطرح الملف خلال الاجتماع الأسبوعي المرتقب للإطار التنسيقي مع رئيس الوزراء مطلع الأسبوع المقبل، في محاولة لتوضيح الاتهامات ومعالجة نقاط الخلاف التي أعادت مفاوضات السلاح إلى الواجهة.

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!