من المعلوم ، إن الخصخصة تعني التحول للقطاع الخاص ، وقطع التمويل يشير إلى الحرمان من الإنفاق الحكومي المحلي او الاتحادي ، وما يتداول البعض بخصوص التعليم العالي الأقرب إلى فكرة الخصخصة كحل لمشكلاته في البلاد ، وذلك لم يأت من فراغ وإنما من جملة قرارات وتصريحات ، أولها التوسع الذي لم ينقطع عن التعليم الأهلي ، وبموافقة مجلس الوزراء (15 تشرين الأول) تم منح إجازات لتأسيس 16 جامعات وكليات أهلية جديدة في بغداد والمحافظات ، وذلك يرفع عدد المؤسسات الجامعية في العراق ( وفقا لما هو متداول ) إلى 185 ، منها 51 حكومية ( 35 في المحافظات و16 في إقليم كردستان ) و134 أهلية ( 116 في المحافظات و18 في الاقليم ) ، وثانيها التصريحات التي وردت من بعض أعضاء مجلس النواب التي أشارت لانتقال التعليم العالي الحكومي إلى الأهلي من بداية عام 2029 ، وثالثها التوجه الحكومي لإلغاء التعيين المركزي لخريجي الكليات ، ورابعها السماح بزيادة القبول في كليات وأقسام التخصصات الطبية الأهلية رغم دعوات النقابات المعنية لتعليقه لسنوات .
وبغض النظر عن شكل الخصخصة ، فإنها تعني تحويل ملكية الجامعات وتمويلها الحكومي إلى التمويل الذاتي الخاص ، والعمل لتعظيم الإيرادات و الأرباح بعد تغطية التكاليف ، كما تعني توقف الدولة عن التزاماتها في تعيين مخرجات التعليم ، والنتيجة النهائية ، انتقال ملكية الجامعات الحكومية لمن سيشتريها ، والبعض لا يعجبه مصطلح الخصخصة اعتقادا منه انه انتقال للتمويل الذاتي ، لتتحول الجامعة للمجتمع وليس للحكومة ولتطبيق هدف الجامعة المنتجة الذي أطلق منذ سنوات كشعارات ، وهناك من يعتقد إن التوجه للخصخصة مطلوب ويعطي لذلك مبررات منها ، تحويل الجامعة من ( دائرة ) حكومية إلى مركز للإنتاج والابتكار ، وتحويل الانتماء للدراسة في المرحلة الجامعية إلى خيار للطلبة ، وتخفيف الأعباء عن الدولة التي لا تزال تطبق هدف مقعد جامعي لكل خريج إعدادية منذ 1986 ولحد اليوم ، فضلا عن إعطاء الاستقلالية الكاملة للجامعة لكي تنافس غيرها على جذب الطلبة وزيادة الإيرادات ، والعمل على تحسين موقعها قي التصنيفات الدولية للجامعات بشكل فعلي وليس للإعلانات .
وبالعكس من ذلك ، يعارض البعض هذه التوجهات لعدة مبررات ، أولها احتمال عزوف العوائل عن إرسال أبنائها للجامعات كي لا تتحمل ألأعباء والتكاليف ، سيما وان نسبة مهمة من السكان يعيشون على الراتب الحكومي الذي لا يكفي لمتطلبات العيش ، ويزداد ذلك عندما يكون في العائلة أكثر من طالب ، و ثانيها إن الخصخصة الكاملة تعني تحويل التعليم من حق دستوري إلى سلعة لمن يدفع الأجور ، وثالثها ما يترتب على مستويات التعليم دون الجامعي من الابتدائي إلى الإعدادي ، بسبب تكاليف اختيار التخصصات بالمعدلات العالية او بسبب عدم قدرة ورغبة الأهل في إلحاق أبنائهم بالجامعات ، وربما يؤدي ذلك لزيادة الأمية وعدم الالتحاق بالدراسة ، شعورا من الفقير بحالة اليأس من جدوى التعليم ، وثالثها إن اغلب الجامعات الأهلية منذ تأسيسها ولحد اليوم ، لم تثبت قدرتها في التميز والتألق العالمي ، وأفضلها لا تزال في مرحلة التنافس على الصعيد المحلي ، ورابعها إن الظرف العام والاقتصادي للبلاد لا يسير في مصلحة التحول للتعليم الأهلي ، وقرارات من هذا النوع تحتاج إلى بيئة مستقرة لتكون بالمستوى المطلوب ، وخامسها إن التعليم الأهلي يفتقر لمتطلبات التدريب العملي والتطبيقي ومنها المصانع والمواقع و المستشفيات .
وبغض النظر عن ما ذكر ، فان هناك من يخشى أن يكون التحول ( غنيمة ) ، اخذين بعين الاعتبار الملكية الحالية لأغلب الجامعات الأهلية التي هي واجهات لبعض الجهات او الأحزاب او رجال الأعمال من دون الكشف عن مصادر الاستثمار ، فالخصخصة التي يدعون لها لا تعني مستثمراً أكاديمياً من سنغافورة او سواها من تجارب الخصخصة في البلدان ، ومن يضمن إذا تمت خصخصة الجامعات الحكومية، وتم تسليم جامعات بغداد المستنصرية والموصل او الكوفة او غيرها ، بان تتحول إلى مراكز لتفريخ أفكار عقائدية تخدم غايات هذا او ذاك من المالكين ، لا إلى مختبرات علم ، وما هي الضمانة بان يكون الهدف علمي وليس الاستحواذ على ملكيات الجامعات من الأبنية والأراضي والعقارات وبقية الموجودات ، والبرلمان نفسه ، حذر قبل أيام من التدهور العلمي بعد منح 16 ترخيصاً جديداً، وذكر ثلاث مخالفات خطيرة ( عدم وجود توأمة دولية ، ومخالفة شروط فتح الكليات الطبية ، وعدم وجود موافقة مجلس التعليم الأهلي ) ، كما إن التعليم العالي أصدرت عقوبات قبل أيام على عدد من الجامعات ، وإذا كان هذا يحدث في ظل رقابة الدولة ، ، فماذا سيحدث عندما ترفع يد الدولة تماماً ؟ ، ونذكر بان الخصخصة ربما تعيدنا لمنتصف القرن الماضي ، عندما كان ابن الغني طبيب ، وابن الفقير يترك الدراسة ، وهذا ينسف العدالة التعليمية التي بنيت بعد 2003 ومنها دستور البلاد الساري .
الخلاصة ، إننا لا نحتاج إلى خصخصة بمفهوم التحول الشامل بل نحتاج إصلاحاً حكومياً ، من خلال دعم الجامعة الحكومية لا بيعها ، ونحتاج لوقف منح تراخيص جديدة ، لان 134 جامعة أهلية كافية لاستيعاب نسبة مهمة من الطلبة ( بلغت 43% للعام 2023 / 2024 ) ، وما نحتاجه بالفعل جودة لا عدداً ، والتعليم الأهلي نحتاجه لمنافسة التعليم الحكومي وليس لمحوه من الوجود ، وذلك يتطلب إنقاذ التعليم الحكومي من الخصخصة المقنعة التي تجري باسم التوسع الأهلي . وإذا كانت القضية تتعلق بالتمويل ، فيمكن ولوج المجانية المشروطة ، بتعليم مجاني حكومي مقابل خدمة مجتمعية ، ويمكن أن تبدأ الانطلاقة من جامعات البولتكنيك التي تحتاج لتوسيع ، والإجابة عن السؤال ، هل حان الوقت لخصخصة التعليم ؟ لا ، لأننا إذا بعنا الجامعة اليوم ، سنضطر لشراء مستقبل شبابنا غداً بثمن أغلى بكثير .


التعليقات
يوجد 1 تعليق على هذا المقال.
خصخصة التعليم العالي