الحجاب والعفّة والحياء... كيف يجمع الإسلام بين ستر الجسد وتهذيب الغرائز وحفظ الكرامة؟
الفتاة:
السلام عليكم أستاذنا.
أنا فتاة أعتز بديني وحجابي، لكنني أتألم حين يُصوَّر الحجاب عائقًا أمام الحياة، أو يُقال لنا: «المهم أن يكون القلب نظيفًا!».وفي المقابل، أرى من يدقّق في لباس المرأة، ثم يتساهل في نظراته وكلامه!
فهل نتحدث عن قطعة قماش، أم عن منهج حياة؟ وإذا كانت العفّة في القلب... فلماذا الحجاب؟
الأستاذ: بسمه تعالى.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
سؤالك يأخذنا إلى أصل القضية؛ فالقرآن يخاطب القلب والعين والجسد والسلوك معًا. ولكي نفهم خطابه، لنبدأ بالكلمات التي استعملها في الحجاب والعفة: الخمار، والجلباب، والحياء، وغضّ البصر.
الفتاة:
نعم؛ فما الخمار؟ وما الجلباب؟ وهل هما اسمان لشيء واحد؟
الأستاذ:
الخُمُر جمع خمار، وهو غطاء رأس المرأة. والجيوب جمع جيب، وهو فتحة الثوب عند العنق والصدر. قال تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١].
فالآية تأمر بإلقاء الخمار على موضع الجيب لإتمام الستر، بما يغطي الشعر والعنق والصدر. ولا يدل ذلك وحده على اشتراط أن يكون ستر البدن كله بقطعة واحدة؛ فالعبرة بتحقق الستر وشروطه، وتُؤخذ تفاصيل ذلك من مجموع الأدلة وبيان الفقهاء.
وقد شرح الطبري ذلك بقوله: «ليسترن بذلك شعورهنّ وأعناقهن وقُرْطَهُنّ»؛ أي موضع الأقراط عند الأذنين. ويقول الطباطبائي في تعريف الخمار: «وهو ما تغطي به المرأة رأسها وينسدل على صدرها». فتلتقي عبارتا المفسّرَين في بيان غطاء الرأس وامتداد الستر إلى العنق والصدر. (١)
أما الجلابيب فجمع جلباب، وقد اختلفت عبارات المفسرين في تحديد هيئته، ومن معانيه الثوب الخارجي الواسع الذي تتستر به المرأة فوق لباسها. ويقول القرطبي: «والصحيح أنه الثوب الذي يستر جميع البدن». (٢)
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩].
الفتاة:
أفهم من كلامك يا أستاذ أنه لا يكفي وضع شيء على الرأس مع بقاء الشعر أو العنق والصدر مكشوفًا؟
الأستاذ:
نعم يا ابنتي؛ فستر الشعر والعنق والصدر عن الرجل الأجنبي داخل في الستر الواجب، وليس مجرد احتياط مستحب. والمطلوب أن تؤدي المرأة ما وجب عليها وفق الحكم الشرعي. ولهذا نقرأ آية الخمار مع آية الجلباب، ومع النهي عن إبداء الزينة، ثم نرجع إلى السنة وبيان الفقهاء لتفاصيل الحكم.
وفي «الكافي» للشيخ الكليني، عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام:
«لا يصلح للمرأة المسلمة أن تلبس من الخمر والدروع ما لا يواري شيئًا». (٣)
والدروع هنا القُمُص، وهي تؤكد أن للستر حقيقةً ينبغي تحققها؛ فاللباس الشفاف الذي يكشف ما تحته لا يحققها بمجرد تسميته حجابًا.
الفتاة:
ولكن كيف نعرف أن هذا المعنى لا يخص مذهبًا دون آخر؟
الأستاذ:
بالرجوع إلى كلمات العلماء أنفسهم. فمع اختلاف مدارسهم في بعض التفاصيل، نجد تأكيدًا واضحًا على أصل الستر:
يفتي السيد السيستاني بوجوب ستر شعر المرأة وما عدا الوجه والكفين من بدنها عن الرجل الأجنبي، ويقول في بيان حكم الوجه والكفين:
«وأمّا الوجه والكفّان فيجوز إبداؤهما إلّا مع خوف الوقوع في الحرام أو كونه بداعي إيقاع الرجل في النظر المحرّم فيحرم الإبداء حينئذٍ».
ويؤكد في استفتاء آخر ألّا يكون اللباس زينةً من حيث اللون والتفصيل، وألّا يكون ضيقًا يُبرز مفاتن الجسم. فالجواز في كشف الوجه والكفين له ضوابطه، وللزينة أحكامها التفصيلية التي تُراجع في الفتوى. (٤)
وتقرر دار الإفتاء المصرية، في فتوى الدكتور شوقي علام، أن الزي الشرعي «لا يصف مفاتن الجسد ولا يشف عما تحته»، مع بيانها استثناء الوجه والكفين، والقدمين عند بعض الفقهاء. (٥)
وتستدل الدار على فرضية الحجاب بآيتي الخمار والجلباب، وتلفت إلى عموم الخطاب في قوله تعالى: ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٩]. وتنقل في فتوى أخرى عن مقاتل بن سليمان، في تفسيره، ج٣، ص٥٠٨، أن المقصود ظهور العفة في زيّهن؛ فتجتمع دلالة الستر مع معنى التعفف. (٦)
فهذا تقارب واضح في ضرورة اللباس الساتر، مع بقاء الخلاف في بعض حدوده وتفاصيله، ومنها ستر الوجه. ولا يصح أن نجعل الخلاف في الوجه خلافًا في أصل وجوب ستر الشعر والبدن.
الفتاة:
وماذا عن الزينة؟ هل الإسلام يمنع المرأة من التجمل؟
الأستاذ:
الإسلام لا يمنع أصل التجمل، لكنه ينظّم إظهار الزينة بحسب الحال ومن يكون أمام المرأة؛ فما يجوز بين الزوجين أوسع مما يجوز أمام المحارم وغيرهم. وتثبت المحرمية بالنسب أو الرضاع أو المصاهرة، ولكل مورد أحكامه.وللزينة أحكامها ومواطنها، والآية نفسها تبيّن ذلك:
﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾، ثم تقول:
﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]، وتتابع تعداد المستثنَين. فالبعولة هم الأزواج، وقد فرّقت الآية بين أحوال الإبداء ومن يكون أمام المرأة، وتُؤخذ التفاصيل من بيان الفقهاء.
وهنا تنبيه: ليس كل قريب مَحرمًا؛ فابن العم وابن الخال ليسا من المحارم لمجرد القرابة. كما أن أحكام الستر أمام المحارم ليست مطابقة لأحكامه بين الزوجين.
الفتاة:
عرفنا ستر الجسد، لكن ماذا تضيف عبارة ﴿تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾؟
الأستاذ:
تفتح أمامنا باب السلوك والسير نحو كمال العفاف والحشمة. قال تعالى في قصة نبي الله موسى عليه السلام:
﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ [القصص: ٢٥].
تأملي: جاءت، ومشت، وتكلمت، وبلّغت رسالة واضحة، مع الحياء. ومن هذا المشهد نتعلم إمكان اجتماع الحضور وقضاء الحاجة وحسن التعبير مع الوقار.
ويشير ابن كثير في تفسيرها إلى تأدّبها في العبارة، ووضوح سبب دعوتها لموسى عليه السلام. (٧)
فالحياء يعين المرأة على حفظ حدودها وكرامتها، مع قدرتها على السؤال والتعلّم والعمل والمطالبة بحقها.
وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «الحياء لا يأتي إلا بخير». رواه البخاري ومسلم. (٨)
ويقول الطباطبائي في «الميزان»:
«وتنكير الاستحياء للتفخيم والمراد بكون مشيها على استحياء ظهور التعفف من مشيتها». (٩)
فالحياء هنا معنى يظهر في السلوك، ويجتمع مع وضوح الكلام وقضاء الحاجة.
الفتاة:
لكن للرجال والنساء غرائز؛ فكيف يعالج الإسلام هذا الجانب دون أن يجعل المرأة وحدها مسؤولة عنه؟
الأستاذ:
المسؤولية على الطرفين؛ فيوجّه الإسلام كليهما إلى ضبط الرغبة، ويجعل لكل إنسان مسؤوليته. فقبل خطاب النساء في سورة النور، قال تعالى:
﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ﴾ [النور: ٣٠].
ثم قال:﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور: ٣١].
فالغريزة تحتاج إلى تهذيب، والعين تحتاج إلى ضبط، والعلاقة تحتاج إلى حدود. وحجاب المرأة لا يعفي الرجل من غض البصر، كما أن تقصيره لا يُسقط تكليفها.
ولا يتحول تقصير أحد إلى إذنٍ للآخر بالتحرش أو الإهانة أو الاعتداء؛ فكل إنسان مسؤول عن فعله، وسيُحاسب عليه يوم القيامة.
الفتاة:
إذن، الحجاب والعفة والحياء وغض البصر أجزاء متكاملة؟
الأستاذ:
نعم؛ سترٌ للجسد، وضبطٌ للنظر، وعفةٌ في العلاقة، وحياءٌ في السلوك. وحين نجمع الآيات والروايات تتضح هذه الصلة، ويتأكد أن إصلاح الظاهر والباطن مطلوب معًا. قال تعالى:
﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٠].
لكن التكامل لا يعني أن التقصير في جانب يُسقط بقية الواجبات، أو يمحو كل خير عند صاحبه. فمن قصّرت في حجابها تحافظ على صلاتها وأخلاقها وتجتهد في إصلاح تقصيرها، ومن تحجبت تواصل تهذيب لسانها وعلاقاتها.
نحتاج إلى جمع الخير وإتمامه، وإلى إصلاح التقصير حيث وُجد.
الفتاة:
وهل يجوز أن أحكم على عفة امرأة وقلبها من لباسها؟
الأستاذ:
نبيّن حكم اللباس، ونحذر من مخالفة الواجب، لكننا لا نتخذ ذلك طريقًا لاتهام الأعراض أو ادعاء معرفة القلوب. قد يجتمع عند الإنسان إحسان وتقصير، ولكل منهما حكمه. قال تعالى:
﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ﴾ [النجم: ٣٢].
والنصيحة النافعة تحفظ الحكم الشرعي وكرامة المخاطَب معًا.
الفتاة:
وماذا أفعل إذا سخر أحد من حجابي أو وصف حيائي بالتخلّف؟ أحيانًا يدفعني الألم إلى ردّ قاسٍ.
الأستاذ:
ميّزي بين من يسأل ليعرف، ومن يثير سؤالًا جادًا ولو خالفك، ومن يريد الاستهزاء والإيذاء. أجيبي السؤال بالحجة، واحفظي نفسك من استنزاف السخرية.
قال تعالى:﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩].
ووصف عباد الرحمن بقوله:
﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣].
يمكنك أن توضحي موقفك بهدوء، ثم تنهي الحديث إذا صار إهانةً متكررة. فثباتك لا يحتاج إلى سباب، وقوة حجتك تظهر في وضوحها وحسن عرضها.
الفتاة:
الآن فهمت: حين أعتني بحجابي، أعتني معه بنظري وكلامي وعلاقاتي؛ وحين أدعو غيري، أحفظ كرامته كما أطلب حفظ كرامتي.
الأستاذ:
نعم يا ابنتي. وهذا خطابنا للنساء والرجال جميعًا: نتعلّم حدود الله سبحانه، ونجاهد أنفسنا على مراعاتها، ونتواصى بها بعلم ورحمة.
فليكن الحجاب طاعةً نعي معناها، والعفة سلوكًا نراقبه، والحياء خُلُقًا يصحبنا، وغض البصر أمانةً يؤديها كلٌّ منا؛ في منظومة متكاملة يشدّ بعضها بعضًا، ابتغاء مرضاة الله سبحانه وتعالى. والحمد لله رب العالمين.
المصادر وروابط المراجعة
١. الطبري، جامع البيان، تفسير النور: ٣١:
قراءة التفسير.
والطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج١٥، ص١١٢، طبعة مؤسسة النشر الإسلامي:
قراءة الصفحة.
٢. القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، تفسير الأحزاب: ٥٩، المسألة الثالثة:
تعريف الجلباب.
٣. الكليني، الكافي، ج٣، ص٣٩٦، ح١٤، دار الكتب الإسلامية، تصحيح علي أكبر الغفاري:
نص الرواية وسندها.
وهادي النجفي، موسوعة أحاديث أهل البيت عليهم السلام، ج٥، ص٣٤، ح٥٢٢٢:
الحكم بصحة الإسناد.
رقم 400 في الرابط الأول فهرس تقني؛ وعنوان الصفحة المعروضة ص٣٩٦.
٤. الموقع الرسمي للسيد السيستاني، منهاج الصالحين، ج٣، الطبعة المصححة ١٤٤٥هـ، كتاب النكاح، الفصل الثاني، المسألة ١٨:
نص حكم الوجه والكفين.
واستفتاءات «المرأة ـ الحجاب»، السؤال ٤:
صفة اللباس.
ولأحكام مساحيق التجميل: استفتاءات «الستر»، السؤال ١١:
التفصيل.
٥. دار الإفتاء المصرية، الدكتور شوقي إبراهيم علام، «صفة الزي الشرعي للمرأة المسلمة»، الفتوى ٥٧٤٧، ٢٨ سبتمبر ٢٠٢١:
قراءة الفتوى.
٦. دار الإفتاء المصرية، الدكتور نظير محمد عياد، «حكم الحجاب في الإسلام»، الفتوى ٨٨٣٢، ١٦ نوفمبر ٢٠٢٥؛ وفيها نقل عن مقاتل بن سليمان، تفسيره، ج٣، ص٥٠٨، طبعة دار إحياء التراث:
قراءة الفتوى والنقل.
٧. ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، تفسير القصص: ٢٥:
قراءة التفسير.
٨. صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب الحياء، ح٦١١٧:
نص الحديث.
وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، ح٣٧:
نص الحديث.
٩. الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج١٦، ص٢٦، طبعة مؤسسة النشر الإسلامي، تفسير القصص: ٢٥:
قراءة الصفحة.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!