كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

حرب ايران بين المقدمات والتداعيات دراسة تحليلية

بعد أن تعرّض آيفون جاريد كوشنر، صهر دونالد ترامب و مستشاره الخاص، للاختراق من قِبل أجهزة الاستخبارات العسكرية الروسية في ٢٠١٧، قامت أجهزة المخابرات الهولندية بتجنيد جاسوس من الاستخبارات العسكرية الروسية الذي ساعدها في اختراق آيفون كوشنر مرة أخرى في عام ٢٠١٨.
ليُكشف النقاب حديثاً عن مخطط أمريكي اماراتي سعودي إسرائيلي لتغيير معالم الشرق الأوسط والذي يُسمى بـ "الشرق الأوسط الجديد" جرى التخطيط له في ولاية ترامب الأولى، حتى حصلت الحرب مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية لتنعكس تداعياتها على ديمقراطية الداخل الأمريكي و ليبرالية الاتحاد الأوروبي.
يقول الدكتور دارون أسيموغلو، الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، فيختصر الأمر ببساطة قائلاً: "بدأنا نعتبر الديمقراطية أمراً مسلماً به". يضيف "لقد أخفقت الديمقراطية الليبرالية في الحفاظ على ثقة المواطنين العاديين، ولا سيما الطبقة العاملة العريضة. إذا أرادت الليبرالية أن تنهض من جديد، فيجب أن تكون الطبقة العاملة في صميمها".
في بحثنا، سنبين متى كان يُخطط لحرب ايران، وما هي انعكاساتها عالمياً حتى نصل إلى انتخابات التجديد النصفي. سيتضمن البحث المحاور ادناه:

١- مخطط الحرب
٢- تصدعات الإدارة
٣- مكتب الشؤون الدينية 
٤- رياح التغيير
٥- تصرفات غريبة
٦- الخاتمة

مخطط الحرب
في كتابه الذي نُشِر في ٢٥ تشرين الأول ٢٠٢٦ تحت عنوان "أمراء ولصوص: المؤامرة السرية لجاريد كوشنر ومحمد بن زايد لإعادة تشكيل الشرق الأوسط"، يقول الاستاذ ماثيوس كول: أراد كل من محمد بن زايد ومحمد بن سلمان من جاريد كوشنر المساعدة في تحقيق رؤيتهما لـ "شرق أوسط جديد"؛ شرق أوسط تصبح فيه إسرائيل جزءاً لا يتجزأ من المنطقة، وتحظى باعتراف دبلوماسي من دول الخليج العربية اليوم، ومن بقية العالم العربي لاحقاً؛ حيث ينهي الفلسطينيون صراعهم مع إسرائيل ويقبلون بسلامٍ قائمٍ على الرخاء؛ ويُهزم فيه التطرف الإسلامي؛ وتتراجع فيه التوسعية والنزعة العدائية الإيرانية، سواء بالإقناع أو بالقوة.
قبل تولي دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية في كانون الثاني ٢٠١٧، بدأ كل من محمد بن سلمان ولي عهد السعودية و محمد بن زايد ولي عهد ابو ظبي البحث عن طريق للوصول إلى ترامب، فوجدوا في جاريد كوشنر الصهر الصاعد والطفل المدلل لترامب الأمل المنشود.
حدثت المغازلة المبكرة أواخر عام ٢٠١٦ حيث استهدفت الوفود السعودية والإماراتية استراتيجياً جاريد كوشنر كبير مستشاري ترامب، معتبرين إياه نقطة ارتكاز قابلة للتأثير لتشكيل سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

ثم تحولت المغازلة إلى قناة خاصة مباشرة منذ عام ٢٠١٧ وحتى يومنا هذا. سرعان ما أقام كوشنر علاقة وثيقة وغير رسمية، يستخدم فيها اسمه الأول، مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان وزعيم الإمارات العربية المتحدة الأمير محمد بن زايد، متجاوزًا بذلك بروتوكولات البيت الأبيض المعتادة وقنوات مجلس الأمن القومي.
يتضمّن كتاب "أمراء و لصوص" على حواشٍ تفصيلية تشير إلى مصادر المعلومات، بما في ذلك مقابلات سرية لا يمكن لصهر ترامب التمّلص منها. جاء فيه أن علي الشامسي، وهو مسؤول استخباراتي رفيع المستوى في دولة الإمارات العربية المتحدة، وصف كوشنر بأنه "أغلى موظف تعاملنا معه على الإطلاق".
دخل كوشنر إدارة ترامب الأولى برفقة زوجته، إيفانكا ترامب، بصفتهما مستشارين مقربين للرئيس. يزعم كول أن محمد بن زايد ومحمد بن سلمان رأيا في ذلك فرصةً لضمان أفضل مستوى من الوصول يمكن شراؤه بالمال. يضيف كول أنه في مطلع عام ٢٠١٧، اقترح الأميران "تخصيص صندوق - أو حساب مصرفي - لكوشنر، يستخدمه الزعيمان بالتعاون مع جاريد لتحديد وتمويل مشاريع وأهداف تتعلق بالسياسة الخارجية، بما يخدم مصالح الرئيس ترامب".

ينقل كول في كتابه عن مصدر - يقول إنه كان على علم بالصفقة المزعومة بين الإمارات وكوشنر - قوله: "كان جاريد يبحث عن طرق مختصرة في دبلوماسيته". كتب كول: "أجرى هذا الشخص مناقشات مع مسؤولين كبار من الإمارات وإسرائيل حول الترتيب المالي السري بين كوشنر والإمارات والمملكة العربية السعودية. وفقاً للمصدر، فقد وعد جاريد محمد بن زايد بالترويج لأجندتهم لدى ترامب إذا ما شاركوا في تمويل صندوق معين؛ إذ كان يسعى لتحقيق التطبيع مع إسرائيل لتمهيد الطريق أمام ازدهار الأعمال التجارية".

زعم المصدر ذاته أن "صناديق الأموال السرية" - وهي مبالغ مالية مشتركة تُستخدم لتحقيق أهداف دبلوماسية بعيداً عن السجلات الرسمية - تُعد شكلاً شائعاً من أشكال الفساد الحكومي في دول الخليج العربية، مضيفاً: "يقوم الإماراتيون والسعوديون بذلك مرة كل عام. فمبلغ مليار أو ملياري دولار لا يعني لهم شيئاً، وإذا كان هذا المبلغ سيحقق لهم ما يريدون، فهم يعتبرونه استثماراً جيداً".

في ولاية ترامب الأولى، أُنشأ حسابان مصرفيان وُصفا بأنهما "صندوقان ماليان سريان" تمت تسميتهما "ألفا" و "بيتا".

أُنشئ حساب ألفا في بنك أبوظبي الأول بدولة الإمارات العربية المتحدة، تحت مظلة مؤسسة خيرية مرتبطة بالحكومة (مؤسسة وطني الإمارات). يحتوي الحساب على نحو ٧٥٠ مليون دولار (الذي يرأس مجلس إدارته طحنون بن زايد، شقيق محمد بن زايد)، ويُستخدم كصندوق مالي مشترك يتولى إدارته - جزئياً- كل من جاريد كوشنر ومحمد بن زايد.
أما حساب بيتا فيُزعم أنه تضمن عملية تحويل منفصلة بقيمة مليار دولار تقريباً من ولي العهد السعودي. نُقلت الأموال بعد ذلك لتُودع في البنك أو المصرف المركزي الإسرائيلي عبر أذربيجان، التي تُعد مساراً مفضلاً لعمليات غسل الأموال، وبإيعاز وتوجيه من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لكي يظهر الحساب ظاهرياً كأنه حساب حكومي (يتطلب تحويله موافقة شخصين مخولين)، وذلك بهدف تمويه الصلة بين الأموال ومستفيدها المزعوم، جاريد كوشنر.

لم يتوقف الأمر إلى هذا الحد، فقد استمرت الثقة الشخصية والسياسية الوثيقة التي ترسخت خلال ولاية ترامب الأولى حتى بعد مغادرته المنصب؛ ويتجلى ذلك في استثمار صندوق الاستثمارات العامة السعودي ملياري دولار في شركة "أفينيتي بارتنرز" - وهي شركة أسهم خاصة يملكها كوشنر - مما أثار لاحقاً تدقيقاً ومزاعم حول تأثير دول الخليج على السياسة الخارجية الأمريكية.

رغم الرأي الذي يحمله مسؤول الاستخبارات الإماراتي في كوشنر، يزعم كول أن وريث قطاع العقارات القادم من نيوجيرسي لم يكن يحظى بثقة كاملة. يصف كول عالماً محفوفاً بالمخاطر، يُستخدم فيه الابتزاز كأداة في ممارسة سياسات الدول، تماماً كما يُستخدم التعذيب والقتل؛ وهو ما يظهر في قضيتي الصحفي السعودي جمال خاشقجي - الذي قُتل بأوامر من ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في تركيا عام ٢٠١٨ - والصحفي والشاعر الإماراتي حبيب الصايغ، الذي يذكر كول في كتابه أنه قُتل على يد عملاء تابعين لولي عهد أبوظبي محمد بن زايد في عام ٢٠١٩.
بعد نحو عشر سنوات من تسنّم ترامب ولايته الأولى، تخطط الولايات المتحدة وإسرائيل لشن ضربات جديدة في إطار حربهما المستمرة مع إيران منذ ثمانية أشهر. كما تخوض المملكة العربية السعودية حرباً ضد المتمردين الحوثيين في اليمن، بينما قتلت إسرائيل أكثر من ٧٤ ألف فلسطيني في قطاع غزة منذ هجمات حركة حماس في السابع من تشرين الاول ٢٠٢٣.
كان يُراد لحرب ايران و حرب اليمن الخطوة الأولى لتغيير معالم الشرق الأوسط بدءاً من سوريا والعراق وصولاً إلى الهند مروراً بايران وباكستان. بعد ركوب سوريا والعراق الموجة الأمريكية، أرتطمت بسدّ إيران الإسلامية، فلا نعلم ما تضمره الأيام القليلة القادمة.

تصدعات الإدارة
حافظت إدارة دونالد ترامب، نوعاً ما، على إنسجام أعضاءها حتى ٢٨ شباط، فبدأت نزاعات تظهر هنا، و استقالات هناك، و ملاسنة في أُخرى، حتى وصلت إلى السخرية بين نائب الرئيس الأمريكي و وزير خارجيتها.
يعمل "جي دي فانس" - الذي يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره المرشح الجمهوري الأوفر حظاً لانتخابات الرئاسة عام ٢٠٢٨ - على تسويق نفسه الوريث لرئيسه دونالد ترامب لزعامة الحزب الجمهوري. في الوقت الذي يرى البعض ان وزير خارجية امريكا ماركو روبيو المرشح للتصدي للرئاسة الأمريكية بعد انتهاء دورة ترامب. 
في أحد تجمعات لحركة "لنجعل أمريكا صحية مجدداً، ماها" والتي تعود لوزير الصحة الأمريكي، سخر فانس من ماركو روبيو - أقرب منافسيه السياسيين - قائلاً إن روبيو "لا يتقن إخفاء تعابير وجهه"، مما يجعله مادة خصبة ومذهلة لصناعة "الميمز" (الصور الساخرة المتداولة عبر الإنترنت). قال فانس: "أنا و وزير الصحة نتشارك في مجموعة محادثة نصية مع عدد من وزراء الحكومة، حيث نسبق وسائل التواصل الاجتماعي في ابتكار هذه الصور الساخرة"، مستشهداً بصورة لماركو وهو يرتدي شعراً مستعاراً أشقر عقب وفاة المغنية دوللي بارتون.
كان لنصيب النساء في ادارة ترامب الإقالة أو الاستقالة، واستبدالهم برجال، والذي طالما كان يدعو إلى تمكين النساء في اكثر من مناسبة.
غير أنه خلال ولايته الثانية، ثمة سمة مشتركة تجمع معظم الذين غادروا إدارة ترامب وهنّ نساء.
في غضون بضعة أشهر فقط، استقالت نصف المسؤولات الثماني اللواتي يشغلن مناصب رفيعة في إدارته، أو أُقِلن من مناصبهن، وحلّ رجالٌ محلهن جميعاً. كما غادرت نساء أخريات في إدارته، سواء بمحض إرادتهن أو قسراً.
الشخصيات التي أُقلن أو أستقلن
١- وزيرة الأمن الداخلي كريستي نوم
تاريخ الإقالة: ٥ آذار ٢٠٢٦
كانت وزيرة الأمن الداخلي أول من تمت تنحيتها؛ إذ كانت تمثل واجهة حملة ترامب للترحيل الجماعي، قبل أن تُقال من منصبها بشكل مفاجئ وغير لائق في جلسة استماع بالكونغرس في آذار. أشارت نوم إلى أن ترامب كان على علم بقرارها الموافقة على عقد بقيمة ٢٢٠ مليون دولار لحملة إعلانية تهدف إلى تشجيع المهاجرين على "الترحيل الذاتي" - وهي حملة ظهرت فيها نوم بشكل بارز وهي تمتطي حصاناً - وهو ما قيل إنه أثار غضب ترامب بشدة، وبدا وكأنه "القشة التي قصمت ظهر البعير". كما واجهت نوم انتقادات تتعلق بإخفاقات قيادية عامة، إلى جانب تساؤلات حول مدى تأثير مستشارها، كوري ليفاندوفسكي، الذي غادر منصبه أيضاً تزامناً مع إقالتها.

٢- وزيرة العدل بام بوندي
تاريخ الإقالة: ٢ أيلول ٢٠٢٦
أُقصيت وزيرة العدل من منصبها بعد فترة مضطربة استمرت ١٤ شهراً؛ إذ تزايد استياء دونالد ترامب منها بسبب سوء إدارتها لعملية الكشف - التي طال انتظارها - عن ملفات إبستين من قِبل وزارة العدل. تحولت قضية إبستين إلى عبء سياسي ثقيل على ترامب وأثارت غضب قاعدته الجماهيرية (أنصار شعار "لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً")، وعدم المضي قدماً بالسرعة أو الطريقة المطلوبة في ملاحقة خصوم ترامب السياسيين.

٣- وزيرة العمل لوري شافيز- ديريمر
تاريخ الاستقالة: ٢٠ نيسان ٢٠٢٦
قدّمت وزيرة العمل لوري ديرمير استقالتها تحت الضغط بعد أن أدى تحقيق أجراه المفتش العام في وزارة العمل إلى ظهور سلسلة من مزاعم سوء سلوك أخلاقي، بما في ذلك إقامة علاقة جنسية مع أحد مرؤوسيها وتعاطي الكحول أثناء العمل.

٤- مديرة الاستخبارات الوطنية تولسي غابارد
تاريخ الإستقالة: ٢٢ آيار ٢٠٢٦
رغم أنها عزت مديرة الاستخبارات تولسي غابارد استقالتها رسمياً إلى تشخيص إصابة زوجها بنوع نادر من السرطان، إلا أن تقارير أشارت إلى أنها أُجبرت على ترك منصبها بعد فترة مضطربة جرى خلالها تهميشها إلى حد كبير، تزامناً مع شن ترامب هجمات على فنزويلا وإيران. كانت غابارد قد أدلت بشهادتها أمام الكونغرس في وقت سابق، مؤكدة أن إيران لا تعمل على تطوير سلاح نووي وهذا ما اصاب دونالد ترامب بمقتل، فقد عكست تصريحها أمام المشرعين تضليل ترامب في مزاعمه شنّ الحرب على جمهورية ايران الاسلامية.

٥- المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت
تاريخ الإستقالة: ٢٧ آب ٢٠٢٦
إدّعت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت اسباب استقالتها إلى التفرغ لعائلتها وأطفالها، لكن في نفس الوقت هناك غموض يكتنف اسباب الاستقالة الحقيقية، وهل كانت وراءها كشف اسرار تغيير طائرة دونالد ترامب في تركيا بعد تهديد بإسقاطها دون الالتفات إلى الوفد الأمريكي الذي كان يصطحبه إلى انقرة ومن ضمنه المتحدثة باسم البيت الأبيض؟

٦- سفيرة امريكا في اليونان كيمبرلي غيلفويل
تاريخ الإستقالة: ١٣ تشرين الأول ٢٠٢٦
في وقت سابق من هذا الأسبوع، طلبت إدارة ترامب من كيمبرلي غيلفويل - وهي حليفة قديمة لترامب - التنحي عن منصبها كسفيرة للولايات المتحدة في اليونان، وذلك بعد أسابيع من تقارير أفادت بأنها سعت للحصول على أموال من أحد المتبرعين لحملة ترامب مقابل تسهيل الوصول إلى مسؤولين في الإدارة، و بعد تسريبات مرتبطة بانتهاكات أخلاقية. شملت التهم توجيه تهديد لمسؤول في الدولة المستضيفة، وقبول هدايا ومزايا غير لائقة، فضلا عن عرضها استغلال نفوذها داخل الإدارة مقابل تسديد فاتورة بطاقة ائتمان ضخمة وصلت إلى ١٠٠ ألف دولار.

٧- المتحدثة بإسم البيت الأبيض كاتي زكريا
تاريخ الإقالة: ١٦ تشرين الأول
كانت أحدث ضحية من النساء هي المتحدثة باسم البيت الأبيض، كاتي زكريا، التي أُقيلت بعد خمسة أيام فقط من توليها المنصب. فبعد بداية متعثرة لفترتها - بدأت بمؤتمر صحفي في البيت الأبيض يوم الثلاثاء قوبل بانتقادات لاذعة - واجهت زكريا أيضاً تساؤلات حول مؤهلاتها القانونية، بعد اعترافها بأنها لم تجتز امتحان نقابة المحامين. أدى الجدل اللفظي الذي تلا ذلك حول ما إذا كانت تُعد "محامية" أم لا، إلى وضعها في موقف حرج، حتى مع شبكة "فوكس نيوز" التلفزيونية ذات التوجهات اليمينية.
وأخيراً وليس آخراً، هناك تسريبات من داخل البيت الأبيض لإقالة وسري وايلز كبيرة موظفي البيت الأبيض، وهذا ما دفع دونالد ترامب إلى نفي هذا الخبر.
في مقابلة أجريت معه عام ٢٠١٨، قال ترامب: "لا أستطيع القول إنني نسويّ؛ أعتقد أن هذا قد يكون مبالغاً فيه بعض الشيء. أنا أدعم النساء، وأدعم الرجال".
بعد هذه الإقالات و الاستقالات تحت الضغط، لا يُعد دونالد ترامب، بأي مقياس، مناصراً لقضايا المرأة (نسوياً) الذي كان جزءاً في حملته الانتخابية بتمكين المرأة؛ فقد صرح هو نفسه بذلك. مع ذلك، كثيراً ما أشار إلى توظيفه للنساء وترقيتهن، في محاولة لدرء الانتقادات الموجهة إليه -على مر السنين- بشأن سياساته وسلوكه الشخصي على حد سواء.

مكتب الشؤون الدينية
تسببت الحرب المستمرة مع إيران في ظهور تحديات جسيمة تتعلق بالصحة النفسية وضغوط تشغيلية في صفوف الجيش الأمريكي، مما أثّر نفسياً على الأفراد المنتشرين في الميدان، وعائلاتهم في الوطن، والجنود الذين تعرضوا لإصابات خلال المعارك.
لوقف زحف هذين الآفتين، أبتدع بيت هيغسيث، وزير الحرب، مكتباً للشؤون الدينية في البنتاغون يكون المشرف عليه شخصياً، للتقليل من الضغط النفسي على الجنود.
أعلن هيغسيث في خطاب ألقاه في قاعدة "كوانتيكو" التابعة لمشاة البحرية في ولاية فرجينيا يوم ٣٠ أيلول الماضي أن المكتب سيساهم في توفير "دعم ديني من الطراز الأول". قال: "يمكن القول إن وزارتنا ترتدي ’درع الله الكامل‘؛ فبينما نخوض حرباً مادية، نعلم جميعاً أن المعركة الحقيقية هي معركة روحية". أضاف: "سيقدم المكتب دعم رجال الدين العسكريين وتعزيز الدعم الديني على أعلى المستويات داخل الوزارة".
في مذكرة البنتاغون بخصوص المكتب، أشارت إلى "المبادرات القائمة على الإيمان التي تدعم جهود الحد من حالات الانتحار على مستوى الوزارة". 
في السنوات الأخيرة، تزايد اعتماد الجيش على رجال الدين العسكريين للمساعدة في التعامل مع الأعداد المرتفعة من الجنود الذين يعانون من أزمات في الصحة النفسية. صرّح هيغسيث برغبته في أن يركز رجال الدين هؤلاء بشكل أكبر على الله، وبقدر أقل على الأساليب العلاجية المتعلقة بـ "المساعدة والرعاية الذاتية".
كما دفع هيغسيث نحو إحداث تغييرات أخرى داخل سلك رجال الدين العسكريين، المسؤول عن تقديم الرعاية الروحية للجنود؛ إذ أصدر أمراً يقضي بأن يتوقف رجال الدين - وهم ضباط عسكريون - عن وضع شارات الرتب العسكرية على زيهم، والاكتفاء بدلاً من ذلك بوضع شارات دينية تميزهم.
خاطب هيغسيث رجال الدين العسكريين في قاعدة "كوانتيكو" التابعة لمشاة البحرية في ولاية فرجينيا، حيث قال مستخدماً لغة ذات طابع مسيحي: "عِيشوا رسالتكم. اثبتوا على مبادئكم. انشروا الحقيقة. وارعوا الرعية".
ثم اقتبس من الكتاب المقدس قوله: "الرب معي، فلا أخاف. ماذا يصنع بي الإنسان؟"
كما هو واضح من اهداف مكتب الشؤون الدينية، فقد سجّل معدل محاولات الانتحار في صفوف الجيش الامريكي و الأمراض النفسية إرتفاعاً غير مسبوق.
يُعدّ النمط الفريد للصدمات المرتبطة بهذا النزاع عاملاً رئيسياً في تدهور الصحة النفسية بين صفوف القوات. فقد تعرض أكثر من ٧٠٠ جندي لموجات انفجارية ناجمة عن طائرات مسيّرة (درونز) بشكل متكرر، مما أدى إلى إصابات دماغية رضّية؛ وتتداخل أعراض هذه الإصابات - كالأرق الشديد، ومشاكل الذاكرة، وسرعة الانفعال، والأفكار الانتحارية - بشكل كبير مع اضطراب ما بعد الصدمة واضطراب القلق العام، بل وتؤدي إلى تفاقمهما.
في الوقت ذاته، تواجه الوحدات البحرية، مثل مجموعة حاملة الطائرات "يو إس إس أبراهام لينكولن"، أزمات حادة في الروح المعنوية؛ تعود أسبابها إلى نقص الإمدادات، وتمديد فترات الانتشار لتصل إلى ٩ أشهر (متجاوزةً الجدول الزمني المحدد)، بالإضافة إلى ورود تقارير عن محاولات انتحار أثناء التواجد في عرض البحر.
لم تقتصر المشكلة على الجنود، بل امتدّت لتشمل عوائلهم. فقد أفادت أكثر من ٨٠ بالمئة من الأسر العسكرية بتزايد التوتر والخوف والقلق مع امتداد النزاع لما بعد التوقعات الأولية.
كما أفادت منظمات الإرشاد المجتمعي ومجموعات دعم العسكريين بتضاعف عدد الحالات ثلاث مرات، والتي تتعامل مع انقطاع الاتصالات، وانفصال الأسر، وإعادة فتح جراح الماضي المؤلمة لدى أسر المحاربين القدامى. نتج عن ذلك فقدان الثقة بالجيش الامريكي. و بكل تأكيد سينعكس ذلك على أعداد الجيش الامريكي.
يُعرّف أستاذ علم الاجتماع، بيوتر شتومبكا، من جامعة كمبردج في بحثه الثقة بأنها "رهانٌ على الأفعال المستقبلية المشروطة للآخرين". هو يعرض مفهوم الثقة بوصفه مكوناً من شقين: المعتقدات والالتزام. جوهر الأمر هو أن المرء يمارس الثقة حين يؤمن بشيءٍ ما يتعلق بالمستقبل، ثم يتصرف بما يتوافق مع هذا المعتقد. هذا الأمر وثيق الصلة بعمليات التجنيد؛ ففي البيئات التي يسودها مستوى عالٍ من الثقة، يزداد احتمال إقدام الأفراد على الالتحاق بالجيش، نظراً لامتلاكهم توقّعاً معقولاً بحصولهم على منفعةٍ مستقبلية.
يستدرك: لسوء الحظ، فإن أي شخص يفكر في الالتحاق بالخدمة العسكرية اليوم يمكنه أن يرى أمثلةً لا حصر لها على إخفاق الجيش في الوفاء بالتزاماته في هذا العقد الاجتماعي. غير أن هذا الإخفاق، ورغم كارثيته، يبدو ضئيلاً وشاحباً مقارنةً بالإخفاق الأعظم للجيش: ألا وهو الفشل في كسب الحروب.
كما يؤكد ذلك وزير الحرب في كتابه "الحرب على المحاربين" الفصل الرابع فيقول: "لا يرغب الشباب بالانضمام إلى منظمة لا تُشاركهم قيمهم. بل أكثر من ذلك، منظمة لم يعودوا يثقون بها. وإلا، كيف يُمكن تفسير الكشف في كانون الثاني ٢٠٢٤ عن انخفاض حاد في أعداد الأمريكيين البيض المُجندين في الجيش خلال السنوات الخمس الماضية؟ من ٤٤ ألف شاب أبيض انضموا إلى الجيش عام ٢٠١٨، إلى ٢٥ ألف شاب أبيض انضموا عام ٢٠٢٣ - وهو انخفاض مُذهل بنسبة ٤٣ بالمئة". (صفحة ٥٤)
فهو لم يطرح الاسباب الحقيقية وراء هذا الإعراض عن الالتحاق بالجيش الامريكي. وهذا ليس وليد الصدفة، بل يعود إلى الاستراتيجية الخارجية الفاشلة التي جعلت من الشاب الأمريكي أن يرفض الالتحاق بالجيش بسبب الحروب الامريكية الأبدية التي أزهقت أرواح مئات الالاف من الأطفال والنساء الأبرياء في العقدين الماضيين فقط.
رياح التغيير
تواجه الأحزاب الوسطية مأزقاً في أكبر دول أوروبا وأكثرها أهمية؛ إذ يغذي الغضب الناجم عن ضعف النمو الاقتصادي، وارتفاع معدلات التضخم، وإستحفال الدين العام، وتضاؤل الفرص أمام الشباب، صعودَ الأحزاب الاحتجاجية والشعبوية، سواء في أقصى اليمين أو أقصى اليسار. 
لم تبتعد أوروبا عن دفع ضريبة الحرب مع ايران في ظل غلاء المعيشة إذ يطفو على السطح تحديات الديمقراطية الليبرالية التي تبنتها الاحزاب الوسطية ان كان من اليسار الوسطي او اليمين الوسطي، لتتحول الأزمة إلى ذوبان التيار الوسطي في أوروبا. ما نشهده من مظاهرات عمّت معظم أوروبا ما هو إلا لفشل الديمقراطية الليبرالية في نظامها السياسي، مما دفع الوسطيين إلى أحضان أما اليسار المتشدد او اليمين المتطرّف، وهذا سينعكس على انتخابات بعض دول أوروبا في العام المقبل.
تُعد أعمال الشغب الواسعة في فرنسا - التي اندلعت في البداية كاحتجاجات على نقص التمويل في المدارس - مثالاً صادماً على ذلك. غير أن هذه الظاهرة تتراكم منذ سنوات، في ظل شعور عام بفشل الديمقراطية الليبرالية في الوفاء بوعودها بتحقيق مستقبل أفضل، لا سيما للشباب والطبقة العاملة التي تعتمد على الأجور.
هناك قناعة متزايدة لدى الكثير من الأوروبيين بأن الأحزاب التقليدية - سواء في الوسط اليساري أو الوسط اليميني - لم تعد تقدم بدائل حقيقية، وأنها باتت خاضعة لنخبة متعلمة فقدت صلتها بالفقراء والعمال والشباب. في ظل تزايد العجز المالي والنفقات والتضخّم، تجد الحكومات نفسها مقيدة في قدرتها على الاستجابة لهذه التحديات.
نتيجة لذلك، يتجه الكثيرون لدعم أحزاب المتشددة من أقصى اليمين واليسار مثل "التجمع الوطني" بقيادة مارين لوبان (في أقصى اليمين)، والذي يتصدر استطلاعات الرأي للانتخابات الرئاسية الفرنسية، وحزب "فرنسا الأبية" بقيادة جان لوك ميلنشون (في أقصى اليسار)، الذي يأتي في المرتبة الثانية. أما في ألمانيا، فقد بدأ الناخبون يتجهون نحو حزب "البديل من أجل ألمانيا" (في أقصى اليمين) وحزب "اليسار" (في أقصى اليسار).
مع اقتراب انتخابات كبرى في العام المقبل في أربع من أكثر دول أوروبا اكتظاظاً بالسكان - وهي إسبانيا وفرنسا وإيطاليا وبولندا - تبرز تحديات كبيرة تفرضها أحزاب أكثر تطرفاً. فحتى في إيطاليا، التي شهدت اندلاع احتجاجات خلال عطلة نهاية الأسبوع، تواجه رئيسة الوزراء اليمينية، جورجيا ميلوني، منافساً يتمثل في الجنرال السابق روبرتو فاناتشي، الذي يتبنى مواقف أكثر يمينية منها.
تشير ملاحظات ألبرتو أليمانو، أستاذ القانون الأوروبي في كلية "إتش إي سي" بباريس، إلى أن أحزاب اليمين المتطرف تشارك في حكومات كل من جمهورية التشيك وفنلندا وسلوفاكيا وكرواتيا.
وفقاً لاستطلاعات الرأي التي يجريها مركز "بيو" للأبحاث، فإن مستوى الرضا عن أداء الديمقراطية يشهد تراجعاً حاداً. فقد وجد المركز هذا العام أن ٦٩ بالمئة من سكان فرنسا غير راضين عن الديمقراطية، وتصل النسبة في إسبانيا إلى ٦٨ بالمئة، وفي إيطاليا إلى ٦٢ بالمئة، وفي بولندا - التي تُعد أحدث ديمقراطية نشأت بعد سنوات من الاحتلال السوفييتي - إلى ٤٧ بالمئة. أما في الولايات المتحدة، فتبلغ نسبة غير الراضين عن الديمقراطية ٦٩ بالمئة.
حاول الدكتور دارون أسيموغلو، الأستاذ في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، تقديم تحليلٍ ومجموعةٍ من التوصيات في كتابه الصادر مؤخراً بعنوان "ماذا حدث للديمقراطية الليبرالية؟". يستعرض في الكتاب ما أسماه "مسارين رئيسيين للفشل" على مدى نصف القرن الماضي، وهما اللذان أديا إلى حالة واسعة النطاق من الاغتراب وتنامي المشاعر المناهضة للمؤسسة الحاكمة.
يتمثل المسار الأول فيما يسميه "الإخفاق في تحقيق الرخاء المشترك"؛ لا سيما بالنسبة للطبقة العاملة التي تتقاضى أجوراً، والتي تضررت بفعل الأتمتة والعولمة واتساع فجوة التفاوت الطبقي بشكل حاد، وهي الطبقة التي باتت اليوم تشعر بقلق عميق إزاء الذكاء الاصطناعي.
يشير الدكتور أسيموغلو إلى أن القادة نسوا أن جزءاً جوهرياً من عهدهم مع الناخبين يتمثل في "الاهتمام بالتفاصيل الأساسية" - أو ما أسماه "العناية بالمرافق" - لضمان حسن سير البنية التحتية للحياة اليومية، بدءاً من الطرق ووصولاً إلى التعليم والرعاية الصحية.
أما النقطة الثانية، بحسب ما ذكره الدكتور أسيموغلو في مقابلة، فهي "صعود سياسات ثقافية تُفرض من الأعلى إلى الأسفل"؛ حيث باتت نخبةٌ حاصلةٌ على تعليم جامعي تهيمن اليوم حتى على الأحزاب الاشتراكية وأحزاب الطبقة العاملة التقليدية في جميع أنحاء العالم الغربي، وهي - من وجهة نظره - تتعامل مع مخاوف الفئات التي كانت تدعم هذه الأحزاب تقليدياً بنبرةٍ متعالية أو تتجاهلها تماماً.
نتيجة لذلك، يتجه الناخبون من الطبقة العاملة نحو الأحزاب الشعبوية في أقصى اليسار، وبشكل خاص في أقصى اليمين - كما هو الحال في فرنسا وألمانيا - مما يشكل تهديداً للقيم التقليدية، ويؤدي إلى تقلص الأحزاب الوسطية الكبرى التي كانت تهيمن تاريخياً على المشهد السياسي، فضلاً عن تهديدها لآليات عمل الديمقراطية البرلمانية.
وهذا جاء متوافقاً مع إيفان كراستيف، رئيس "مركز الاستراتيجيات الليبرالية" في بلغاريا والباحث في "معهد العلوم الإنسانية" في فيينا، حيث يتساءل: "ما الذي يجعل السياسة الأمريكية والعالمية تبدو مزعزعة للاستقرار إلى هذا الحد في الوقت الراهن؟"
يقول: "نحن مقبلون على تحول كبير سيؤدي إلى تشكيل حكومات مجزأة. من المرجح أن تضم الائتلافات اليمينية أحزاباً صغيرة تنتمي إلى اليمين المتطرف، وهي أحزاب ستُبقي الأحزاب اليمينية الرئيسية رهينةً لها، وقد تمنعها من التحرك نحو الوسط".
ستكون الانتخابات الرئاسية الفرنسية في الربيع المقبل حاسمة؛ ففوز اليمينية المتطرفة السيدة لوبان قد تكون له تداعيات كبرى على بروكسل، والعملة الأوروبية الموحدة (اليورو)، وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، والدعم الأوروبي لأوكرانيا.
يدعو الدكتور دارون أسيموغلو إلى تبني "شعبوية جامعة"، تعمل على توجيه غضب الناخبين نحو أهداف تعزز الشمولية. يقول في هذا الصدد: "يجب أن يتمحور الأمر حول خلق فرص العمل، وزيادة الأجور، وتوفير مسارات مهنية للأشخاص الذين لا يحملون شهادات جامعية ويمتلكون مهارات متنوعة". يضيف: "لا بد من وضع أجندة لتحقيق ازدهار مشترك".
هزّت حرب إيران القارة العجوز بعد أن ارتفعت أسعار الطاقة بشكل جنوني لينكشف ضعف الديمقراطية الليبرالية في توفير حياة أفضل لشعوب أوروبا، وهذا كان مدعاة لاستقواء أقصى اليمين و أقصى اليسار على حساب التيار الوسطي.

تصرفات غريبة
تحولت معاقل الحزب الجمهوري التقليدية إلى ساحات تنافس محتدمة في انتخابات التجديد النصفي. تُظهر استطلاعات الرأي في هذه المناطق أن سياسات ترامب المتعلقة بالتعريفات الجمركية والتوترات مع إيران - وما ترتب عليها من ارتفاع في أسعار البنزين والديزل والسلع الغذائية التي يستهلكها المواطنون العاديون - قد شكلت تهديداً خطيراً لمستقبل الحزب الانتخابي.
يقول جون ماكلوغلين، وهو خبير استطلاعات رأي عمل طويلاً مع ترامب: "إنه يذهب إلى حيث تدور المعارك، وهذه هي المناطق التي تتركز فيها المعارك".
إستسلم دونالد ترامب و فريقه بحقيقة أن الحزب الجمهوري لن يتمكن من تقديم المساعدة للسيناتور سوزان كولينز، العضو الجمهوري الحالي عن ولاية مين فرفع الغطاء عنها. 
كما قلّص الجمهوريون الإنفاق في الدوائر الانتخابية الحاسمة حيث توقف "صندوق قيادة الكونغرس" عن الإنفاق على الإعلانات في الدائرة الأولى بولاية أيوا لدعم المرشحة الجمهورية ماريانيت ميلر ميكس لعلم الحزب بحتمية هزيمتها أمام مرشحة الحزب الديمقراطي كريستينا بوهانان.
وألغى صندوق القيادة الكونغرسية، وهو أبرز لجنة عمل سياسي جمهورية في مجلس النواب، الإنفاق في أربع دوائر انتخابية تمتد من الغرب الأوسط إلى الساحل الشرقي، لقناعتهم بخسارة الحزب الجمهوري في تلك الدوائر.
وتفيد تقارير بأن لجنتين رئيسيتين للعمل السياسي (سوبر باك) تابعتين للحزب الجمهوري تسحبان التمويل المخصص لحملات إعادة انتخاب النائبين الحاليين توماس إتش كين الابن (عن ولاية نيوجيرسي) وماريانيت ميلر- ميكس (عن ولاية آيوا)، لاحتمالية هزيمتهم امام الديمقراطيين.
أما على مستوى النأي بالنفس، صحيفة نيويورك تايمز نشرت مقالاً في ١٩ تشرين الاول بعنوان "ترامب يحث الناخبين على التركيز عليه، لكن إعلانات الجمهوريين تروي قصة مختلفة". يذكر صاحب المقال: "في الوقت الذي يروّج فيه دونالد ترامب لنفسه، يسعى المرشحون الجمهوريون بشكل متزايد إلى النأي بأنفسهم عن أجندة الرئيس التي تحظى بشعبية منخفضة".
بل ذهب السيناتور والمرشح دان سوليفان، الجمهوري عن ولاية ألاسكا والذي يخوض سباقاً انتخابياً محتدماً للفوز بولاية جديدة، إلى ابعد من ذلك، حيث نشر في السابع من تشرين الاول، إنه "صوّت لإجبار وزارة العدل في عهد ترامب على الكشف عن ملفات إبستين والمتهم بها دونالد ترامب" لإستمالة الناخبين.
وفي تأييدٍ نادر؛ اجتمع ديفيد بيزلي (جمهوري) وجيم هودجز (ديمقراطي)، وهما حاكمان سابقان لولاية كارولاينا الجنوبية، في خطوة نادرة لإعلان تأييدهما المشترك لترشح الديمقراطية آني أندروز لعضوية مجلس الشيوخ الأمريكي.
يقول الجمهوري بيزلي في مقطع فيديو مشترك يوثق هذا التأييد: "هذا البلد منقسم أكثر من اللازم، وقد خرج الخطاب السياسي عن السيطرة تماماً". يضيف الديمقراطي هودجز: "لهذا السبب قررنا معاً دعم الديمقراطية آني أندروز".
يبدو أن خيارات دونالد ترامب تعكس استراتيجية سياسية لا تركز على إقناع الناخبين المترددين، بل على تعزيز الدعم من القاعدة الجماهيرية التي كانت المحرك لصعوده السياسي. فوضع خطة لزيارة بعض الولايات الجمهورية التي يخشى خسارتها لدعم مرشحي الحزب الجمهوري.
لكن الملفت للنظر هو الخطاب الذي أتى معه إلى تلك الولايات!!! سلسلة من التصرفات الغريبة التي صدرت عن الرئيس جعلت سلوكه هو محور الاهتمام، بدلاً من المرشحين الذين يدعمهم.
في تجمع انتخابي في مدينة سيراكيوز في ولاية نيويورك قال ترامب مخاطباً جمهوره: لم يعد بإمكانك أن تقول: ’أمي - مرحباً يا أمي‘، بل أصبح الأمر: ’مرحباً أيتها الكائنة التي تحمل جنيناً. أنا أحبكِ جداً أيتها الكائنة التي تحمل جنيناً‘. الحقيقة هي أنه لا يزال مسموحاً للناس باستخدام كلمة "أم" في نيويورك.
كما قضى ١٥ دقيقة يشتكي من عدم فوزه بجائزة نوبل للسلام، رغم أنه "أنهى ثماني حروب". قال: "باكستان والهند. اتصلت بهما وقلت إذا لم تتوقفا عن قتل بعضكما البعض، فسأفرض عليكما رسوماً جمركية بنسبة ٢٥٠ بالمئة ولن نتاجر معكما. أجابا: لا، لا، لا، لا يمكنك فعل ذلك. فقلت: بلى، أستطيع". 
نفت الهند مراراً وتكراراً التوصل إلى وقف لإطلاق النار نتيجة لأي تدخل من جانب ترامب.
و في مدينة كلاركسفيل في ولاية تينيسي فقد أهان ترامب الحاضرين في تجمع الحزب الجمهوري مخاطباً لهم عن الحُب: يوجد هنا قدر هائل من الحب، أعني، إنه أمر مذهل. عندما تقف هنا، تشعر بذلك... تشعر بالحب. يمكنني أن أقول أكثر الأشياء غباءً ومع ذلك تصفقون وتقولون: ’أوه، نحن نحبك جداً...‘.
خلال كلمة ألقاها في مدينة يونغستاون في ولاية أوهايو، قال ترامب: "بدأت أتفحص جسد [هوستيد] مرشح الحزب الجمهوري. نظرت وتأملت جسده من الأعلى إلى الأسفل؛ نظرت إلى مؤخرته ونظرت إلى... ثم نظرت إلى يديه. انظروا إلى يديه؛ لديه ما يشبه المخالب، ويمتاز بفك ذي مواصفات جذابة". ثم هاجم المهاجرين من الصومال، فقال: "يأتون من جزء من عالم لا يعرف سوى قتل بعضهم البعض. إن الناس في الصومال منخفضو الذكاء و لا يملكون سراويل لارتدائها".
لكن المحير في مدينة واسيلا في ولاية ألاسكا، فبعد حديث طويل و ممل لتجمع انتخابي أصدر ترامب عفواً لسجينين من أصحاب ورش السيارات في ألاسكا، كانا قد أقرا سابقاً بذنبهما في مخالفة "قانون الهواء النظيف". قال ترامب: "عندما تمنح شخصاً ما عفواً، يقولون إن ذلك يعني أنك نظيف تماماً مثل مؤخرة طفل حديث الولادة!!! "
كم هو قبيح أن يتلفّظ المرء بما يُستقبح التصريح به، فما بالك برئيس اقوى بلد في العالم يدلي تصريحات مقرفة مقززة؟ فقد تحدث ترامب في تجمع انتخابي في ولاية مشيغان عن إعجابه بمؤخرة المغنية ميناج و بعض مرشحي الحزب الجمهوري، وهذا يكشف عن عقلية الرئيس غير السوية. يبدو هذا هو اكبر سقوط اخلاقي في تاريخ البيت الابيض والذي سيجر الحزب الجمهوري إلى ويلات قد تستغرق لعقود.
حتى بالنسبة لرئيسٍ عُرف بتصرفاته الغريبة، فإن هوس ترامب بمؤخرات الناس، ومظهر أصدقائه، قد أثار الاستغراب. مع تبقي يومين على موعد انتخابات التجديد النصفي، من المتوقع أن نشهد المزيد من هذه السقطات الأخلاقية.

الخاتمة
يبدو أن مخطط الشرق الأوسط الجديد كان معُداً منذ الولاية الاولى لرئاسة دونالد ترامب وبدعم إماراتي سعودي اسرائيلي كانت نواته إنشاء حسابين مصرفيين لدعم المخطط ومنها الحرب مع ايران، وهذا ما كشفه كتاب "أمراء و لصوص …". 
لا تزال النظرة السائدة تميل إلى الشرق الأوسط وفق الأنماط التي سادت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية؛ غير أننا نشهد اليوم إعادة تشكيل جوهرية للتحالفات، حيث باتت الدول تولي اهتماماً أقل بالتقاليد والأيديولوجيا والعقائد الدينية، وتركز بدلاً من ذلك على المصالح البراغماتية البحتة المتعلقة بالأمن والقوة والتكنولوجيا والاقتصاد كما حصل في حلف مكة.
ولكن، هل ستفضي حالات التقارب الجديدة هذه حول العالم في نهاية المطاف إلى توازنٍ جديدٍ يرسّخ الاستقرار، أم أنها ستؤدي إلى تشابكٍ مميتٍ بين الصراعات، قد يتحول بسرعةٍ فائقةٍ إلى حريقٍ هائلٍ يطال العالم بأسره وخير دليل حرب ايران؟
أدخلت حرب ايران الولايات المتحدة الأمريكية و دول العالم في نفق ضبابي، فعلى مستوى امريكا، يواجه الشعب الأمريكي أزمات اقتصادية خانقة ستؤثر بكل قوة على صناديق اقتراع التجديد النصفي. يقول دوغ هاي، وهو استراتيجي جمهوري: "لقد فَقَدَ الجمهوريون مجلس النواب؛ فقد ضاع منذ زمن طويل". أشار إلى أن الديمقراطيين قد ينجحون في انتزاع ٣٠ مقعداً في تشرين الثاني، في ظل تدني معدلات تأييد ترامب.
وهذا ما أدى إلى تصدعات في إدارة دونالد ترامب من إقالات واستقالات طوعية و تحت ضغط ترامب.
كما كشفت الحربُ مع ايران تضليل دونالد ترامب لشعبه بعد ان ندد بحرب العراق في ٢٠٠٣. خلال حملته الرئاسية لعامي ٢٠١٥-٢٠١٦ وصف دونالد ترامب مراراً وتكراراً الغزو الأمريكي للعراق عام ٢٠٠٣ بأنه "خطأ فادح"، وقرار "غبي"، و"أحمق". جادل بأن الحرب زعزعت استقرار الشرق الأوسط وأهدرت تريليونات الدولارات، كما ادعى أنه عارضها منذ البداية. لكن مع ايران الموضوع مختلف مع ترامب!
عبّر سينا توسي، المحلل في "مركز السياسة الدولية"، عن ذلك بصراحة قائلاً: "لقد كسر ترامب قيداً مهماً كان سائداً في واشنطن - في مرحلة ما بعد حربي العراق وأفغانستان - يحول دون شن حرب كبرى أخرى مفتوحة النهايات في الشرق الأوسط. وهذا قد يورّث خليفته مواجهة متجذرة بين الولايات المتحدة وإيران".
أما وزير حربه فقد وظّف معتقداته الدينية لهذه الحرب. قالت هايدي بيريتش، المؤسسة المشاركة للمشروع العالمي لمكافحة الكراهية والتطرف: "لقد تحالف هيغسيث مع بعض أكثر القوميين المسيحيين تطرفًا في البلاد. إن آرائهم المتطرفة تدعو إلى التفكير مليًا". أضافت: "لكن الأمر الأكثر إثارة للقلق هو توظيفه لمعتقداته المسيحية كأساس لحربنا في إيران. لا ينبغي أن يقوم أمننا القومي على أوهام الحرب المقدسة المتعصبة، ولكن هذا ما فعله هيغسيث، وبالتالي ترامب".
حتى وصلت رياح حرب إيران إلى الاتحاد الأوروبي. إغلاقُ مضيق هرمز أدى إلى تكاليف باهضةٍ يدفعها الأوروبيون فزادت من زخم المظاهرات في فرنسا لتمتد إلى بعض دول الاتحاد، مما ساعد أقصى اليمين المتطرّف و أقصى اليسار المتشدد إلى تذويب الليبرالية الوسطية، وسيكون مدخلاً إلى عالمٍ قاتم لا ترغب أوروبا تصوره.
نرى أنه كلما زاد الخناق على مضيق هرمز إرتفعت إرهاصات الداخل الأمريكي والأوروبي، علاوة على إفشال مخطط الشرق الأوسط الجديد، لكنه في نفس الوقت سيرتفع الصوت المتشدد من اليمين واليسار، وقد يؤدي إلى تغيير معادلة الأقطاب التي أفرزتها الحرب العالمية الثانية.
ستحاول امريكا و الكيان الصهيوني المحتل اسقاط النظام الإيراني بعد انتخابات التجديد النصفي مباشرة، لان ايران هي العقبة الوحيدة في طريق مخطط الشرق الأوسط الجديد، لكن هيهات أن يسقط النظام فهي مستعدة لتلك الحرب، و ستُفاجئ العالم بقدراتها الصاروخية النوعية وصمودها وتلاحم شعبها مع قادتها.

هرمز.jpg

التعليقات

يوجد 1 تعليق على هذا المقال.

1
عادل الرماحي من العراق •

اشادة بجهود البحث

أحسنتم دكتور
بوركت جهودكم وجزاكم الله خير