كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

قراءة نقدية في أفق المقالة المعاصرة (10-10) .. نحو مقالة تبني الوعي: ميزان النقد بين الجرأة والحكمة

بدأت هذه السلسلة برصد المشهد العام للمقالة العربية والعراقية، قبل الانتقال إلى نماذج من تعاطيها مع السياسة والاقتصاد والفساد والذكاء الاصطناعي والشأن الديني والطائفية الرقمية وصورة المجتمع، وصولًا إلى طرائق استعمال المعلومات والأرقام والمصادر.

ولم يكن الغرض إصدار أحكام على كتّاب بأعيانهم، ولا تقسيم المقالات إلى معسكرين: صالح وفاسد؛ فالمقالة الواحدة قد تجمع تحقيقًا جيدًا في جانب، ومبالغة في جانب آخر، وقد يصيب الكاتب في موقفه ويخطئ في طريقته، أو يمتلك معلومات صحيحة لكنه يرتبها بطريقة تقود إلى نتيجة أوسع مما تحتمل.
وما يجمع المحاور السابقة سؤال واحد: متى تتحول المقالة من تعبير عن موقف إلى أداة لبناء الوعي، ومتى تصبح، بقصد أو من غير قصد، وسيلة لزيادة الاضطراب وسوء الفهم؟
ليست المشكلة في وجود الموقف
لا تخلو المقالة الجادة من موقف، ولا ينبغي مطالبة الكاتب بأن يقف على مسافة واحدة من الحق والباطل، أو العدل والظلم، أو المعلومة والإشاعة. فالحياد الكامل قد يكون مستحيلًا، وقد يتحول أحيانًا إلى ذريعة للتهرب من المسؤولية.
لكن امتلاك الموقف يختلف عن إخضاع الوقائع له. فالكاتب المسؤول يصل إلى رأيه عبر التحقيق والموازنة، ويظل مستعدًا لتعديله إذا ظهرت معلومات جديدة. أما الكاتب المتحيز، فيحدد النتيجة أولًا، ثم يختار من الواقع ما يخدمها، ويتجاهل ما يربكها.

ومن هنا لا تقاس موضوعية المقالة بخلوها من الرأي، بل بعدالة الطريق الذي أوصل إليه: هل عرضت الوقائع بدقة؟ وهل فهمت الرأي المخالف كما يفهمه أصحابه؟ وهل اعترفت بما في الأدلة من حدود؟ وهل فرقت بين ما تعرفه وما ترجحه وما تخشاه؟

قوة المقالة في عدالة عرض الخصم
من أسهل طرائق الانتصار في الجدل أن يعيد الكاتب صياغة رأي خصمه في صورة ضعيفة أو متطرفة، ثم يرد عليها. لكنه انتصار لا قيمة معرفية له؛ لأنه يهزم قولًا لم يقله صاحبه.

وقد ظهر هذا الخلل في ملفات متعددة: فالداعي إلى ضبط السلاح قد يصور عدوًا للمقاومة، والمدافع عن المقاومة قد يقدم بوصفه رافضًا للدولة. والناقد لبعض الممارسات الدينية قد يتهم بالطعن في المقدسات، والمدافع عن حرمتها قد يوصف بأنه يمنع كل إصلاح. والمتفائل بالتقنية قد يصور مستسلمًا للآلة، والمحذر منها قد يقدم عدوًا للتقدم.
أما المقالة العادلة فتعرض الحجة المقابلة بأقوى صورة يستطيع أصحابها قبولها، ثم تناقشها. وهي بذلك لا تقدم خدمة للخصم وحده، بل تحمي رأي الكاتب نفسه؛ لأن الفكرة التي لا تثبت إلا بعد تشويه مخالفيها لا تكون واثقة من قوتها.
والإنصاف لا يقتضي التسوية بين الآراء مهما تفاوتت أدلتها، بل يقتضي أن يُنسب كل قول إلى أصحابه بدقة، وأن يُحاكم بالدليل نفسه الذي نطالب به الآخرين.

بين الواقعة وتفسيرها
من أهم ما انتهت إليه هذه السلسلة ضرورة الفصل بين أربع مراتب تختلط كثيرًا في الكتابة:
الواقعة: ما ثبت وقوعه ويمكن التحقق من مصدره.
التفسير: المعنى الذي يفهمه الكاتب من الواقعة وأسبابها.
التقويم: حكمه عليها بالصواب والخطأ أو العدل والظلم.
التوقع: ما يرجح أن يترتب عليها مستقبلًا.
وقد يبدأ المقال بخبر صحيح، ثم يقدم تفسيرًا محتملًا بوصفه الحقيقة الوحيدة، ويبني عليه حكمًا قاطعًا، ثم يحول توقعاته إلى مصير محتوم. وعندما يقرأ المتلقي النتيجة لا يعود قادرًا على معرفة أين انتهت المعلومة وأين بدأ اجتهاد الكاتب.
ولا يمنع الفصل بين هذه المراتب قوة التحليل، بل يجعله أكثر صدقًا. يستطيع الكاتب أن يقول: هذه هي الواقعة، وهذا تفسيرها الأقرب في نظري، وهذه القرائن التي اعتمدتها، وهذه الاحتمالات الأخرى. وبذلك يشارك القارئ في طريق الاستدلال بدل أن يطالبه بتسليم كامل لا يرى أسبابه.

اللغة ليست غطاءً محايدًا
الكلمات التي يختارها الكاتب لا تنقل المعنى فقط، بل تحدد شعور القارئ تجاهه. فثمة فرق بين «الخلاف» و«الخيانة»، وبين «الخطأ» و«الجريمة»، وبين «النفوذ» و«الاحتلال»، وبين «الانتقاد» و«الاستهداف». وقد يكون اختيار اللفظ جزءًا من الموقف، لكنه يصبح تضليلًا حين يحمل حكمًا لم تثبته المقالة.
وتظهر المشكلة بوضوح في العناوين التي تعلن «كارثة» أو «مؤامرة» أو «انهيارًا» بينما لا يقدم المتن إلا احتمالًا أو واقعة محدودة. وقد يحقق العنوان المثير انتشارًا واسعًا، لكنه يستهلك ثقة القارئ ويجعل الانفعال سابقًا على الفهم.
لا تعني الحكمة استعمال لغة باردة تسوي بين الألم والراحة، أو تخفي جسامة الفساد والظلم. المطلوب أن يكون حجم العبارة مساويًا لحجم الدليل، وألا تكون حرارة اللغة بديلًا من قوة الحجة.
فرفع الصوت لا يضيف إلى المعلومة صدقًا، كما أن هدوء العبارة لا يجعلها متخاذلة.

النقد الذي يشخص ولا يشهّر
لا تؤدي المقالة وظيفتها الرقابية إذا خافت تسمية الأخطاء أو مساءلة أصحاب السلطة والنفوذ. لكن النقد يفقد مشروعيته حين يتحول الاتهام إلى إدانة، أو حين يستعمل سمعة الإنسان مادة لجذب القراء قبل ثبوت الوقائع.
وفي ملفات الفساد خصوصًا، ينبغي التمييز بين التحقيق الصحفي الذي يكشف الوثائق ويسأل عن المال العام، وبين محاكمات المنصات التي تبدأ بعنوان قاطع ثم تبحث عن قرائن تؤيده.
كما ينبغي تجاوز اختزال الفساد في شخص واحد؛ لأن إسقاط فرد لا يصلح مؤسسة تستطيع إنتاج أمثاله. فالمقالة الأعمق تسأل عن القانون والإجراء والرقابة والحوافز والحماية السياسية، ولا تكتفي بصناعة بطل فاسد يحمل وحده خطايا النظام كله.
وفي المقابل، لا يجوز أن يتحول احترام القضاء أو السمعة إلى ستار يمنع الصحافة من السؤال والتحقيق. الميزان هو الدليل، ودقة اللغة، وحق الرد، والتمييز الواضح بين الشبهة والإثبات والحكم القضائي.

احترام المقدس لا يحصّن سلوك البشر
في تناول الشأن الديني، تبين أن من أهم واجبات الكاتب التمييز بين الدين، وفهمه البشري، والمؤسسة التي تنتسب إليه، وسلوك بعض أتباعه. فخطأ شخص متدين لا يصبح دليلًا على فساد الدين، كما أن قداسة الدين لا تمنح المنتسبين إليه عصمة من النقد.
وقد تُستعمل حادثة محدودة أو ممارسة عفوية لتكوين انطباع سلبي عن شعيرة أو جماعة كاملة. وفي الجهة المقابلة، قد يُمنع نقد الخلل بحجة أن الحديث عنه يسيء إلى المقدسات.
والطريق الأعدل هو تحديد محل النقد: أهو النص، أم تفسيره، أم إدارة المؤسسة، أم ممارسة بعض الأفراد؟ وكلما كان التحديد أدق، كان النقد أنفع وأبعد عن الاستفزاز المتعمد أو الدفاع الأعمى.

الحرية والمسؤولية في البيئة الرقمية
وسعت المنصات الرقمية دائرة التعبير، لكنها منحت الكلمة كذلك سرعة وانتشارًا لم تعرفهما المقالة من قبل. ولم يعد الكاتب مسؤولًا عن صحة عبارته وحدها، بل عن السياق الذي يضعها فيه، والعنوان الذي يقدمها به، والصورة التي يرفقها معها، والطريقة التي يمكن أن يعاد تداولها بها.
ولا يصح جعل احتمال إساءة الفهم ذريعة لإسكات الآراء، كما لا يصح اتخاذ حرية التعبير حصانة للتحريض والإهانة وصناعة الكراهية.
وقد بينت ظاهرة الطائفية الرقمية أن الخطاب التحريضي لا يحتاج دائمًا إلى كذبة كاملة؛ فقد يصنع أثره من مقطع صحيح مجتزأ، أو حادثة قديمة تقدم بوصفها جديدة، أو قول متطرف ينسب ضمنًا إلى جماعة كاملة.
ومن هنا تبدأ المسؤولية بالتمييز بين نقد الاعتقاد والتحريض على أصحابه، وبين كشف الخلاف واستعماله لإثارة الجمهور، وبين حق التعبير والرغبة في الإيذاء.

ليس كل تشاؤم واقعية
من أخطر آثار المقالة أن تتحول من كشف الخلل إلى إقناع الناس باستحالة إصلاحه. فالتعميم بأن الجميع فاسدون، وأن الدولة انتهت، وأن المجتمع فقد قيمه، قد يبدو موقفًا جريئًا، لكنه يسلب القارئ دوافع العمل، ويمنح الفاسد حجة جاهزة: ما دام الجميع كذلك، فلا معنى للمقاومة.
وفي المقابل، لا يصنع التفاؤل الإنشائي أملًا حقيقيًا. إنكار البطالة أو الفساد أو ضعف الخدمات لا يحمي المجتمع، بل يفقد الخطاب صدقيته.
الأمل المسؤول لا يعني التقليل من عمق الأزمة، وإنما يعني البحث عن مواضع القدرة داخلها: ما الذي يمكن إصلاحه؟ ومن يملك الصلاحية؟ وما الخطوة الممكنة الآن؟ وما الذي يحتاج إلى وقت وتراكم؟
المقالة النافعة لا تعد القارئ بحل سهل، لكنها لا تتركه أمام جدار مسدود.

ميثاق المقالة المسؤولة
يمكن تلخيص المنهج الذي توصلت إليه هذه السلسلة في عشرة أصول:
تصور القضية قبل الحكم عليها، وفهم سياقها التاريخي والقانوني والاجتماعي.
الرجوع إلى المصدر الأصلي، وعدم بناء المواقف على عناوين مبتورة أو مواد مجهولة.
الفصل بين الواقعة والتفسير والتقويم والتوقع، وبيان درجة اليقين في كل منها.
عرض الرأي المخالف بعدالة، ومناقشة أقوى حججه لا أضعف صيغه.
تحديد نطاق الحكم، وعدم تحويل الفرد إلى جماعة أو الحادثة إلى ظاهرة بلا دليل.
موازنة اللغة بالدليل، فلا تكون العبارة أضخم من الواقعة التي تصفها.
نقد الأفكار والأفعال من غير امتهان الأشخاص والهويات، إلا بمقدار ما تقتضيه المساءلة الموثقة.
الاعتراف بالتعقيد، ورفض تفسير الأزمات الكبرى بسبب واحد أو مؤامرة واحدة أو شخص واحد.
البحث عن البدائل الممكنة، وعدم الاكتفاء بوصف الخلل واستثارة الغضب.
مراجعة أثر المقالة، لا بعدد قرائها فقط، بل بما تضيفه إلى فهمهم وقدرتهم على الحكم والعمل.

الكلمة التي تستحق أن تُكتب
ليست المقالة المسؤولة مقالة بلا عاطفة، فالظلم يثير الغضب، والألم يستدعي التعاطف، والخطر يوجب التحذير. لكن قيمة الكاتب تظهر في قدرته على تحويل الانفعال إلى فهم، لا في نقل انفعاله الخام إلى الجمهور.
وهي ليست مقالة بلا موقف، بل مقالة تعرف لماذا اتخذت موقفها، وما الأدلة التي تسنده، وأين تنتهي معرفتها. وليست مقالة توفيقية تبحث دائمًا عن نقطة وسط حسابية بين رأيين؛ فقد يكون أحد الرأيين أقرب إلى الحق. إنما الاعتدال المقصود هو اعتدال المنهج: دقة في النقل، وعدالة في العرض، وتناسب بين الدليل والنتيجة، واستعداد لمراجعة الحكم.
وفي عصر تستطيع فيه الكلمة أن تبلغ الآلاف في دقائق، لم تعد الكتابة شأنًا فرديًا خالصًا. فالكاتب يشارك في تشكيل الثقة بالمؤسسات، وصورة المجتمع عن نفسه، وعلاقته بمخالفيه، ومقدرته على التمييز بين الحقيقة والدعاية.
وقد لا تمنع مقالة واحدة أزمة، ولا تصلح مؤسسة، ولا تغير اتجاهًا عامًا، لكنها تستطيع أن تضع معلومة في موضعها، وترد حكمًا جائرًا، وتفتح سؤالًا صحيحًا، وتمنح القارئ طريقة أفضل للنظر.
وتلك ليست مهمة صغيرة.
إن المقالة التي تبني الوعي هي التي تجمع بين وضوح الموقف وعدالة العرض، وبين جرأة النقد وحكمة المعالجة، وبين حرارة الضمير وبرودة التحقيق. وهي التي لا تهادن الخطأ، لكنها لا تستثمر فيه لإشاعة اليأس؛ ولا تخاف من الحقيقة، لكنها لا تختزلها في جزء يخدم موقفها.

وفي زمن كثرت فيه الكلمات، تبقى قيمة المقالة في مقدار ما تضيفه إلى الفهم، لا إلى الضجيج؛ وفي قدرتها على جعل القارئ، بعد فراغه منها، أهدأ حكمًا، وأدق نظرًا، وأكثر استعدادًا للمشاركة في الإصلاح.
تمت السلسلة وشكرًا لمتابعتكم الطيّبة.

محمد البغدادي 

المقالة.jpg



 

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!