كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

الإجابة الذكية بين الوطن والتكامل العقائدي

إن المقارنة بين الوطن والعقيدة تضيع فيها المعاني؛ لأنهما ليسا نقيضين، بل بينهما، على العكس، تكامل وتناغم في الغالب؛ فالإسلام يعتبر حب الوطن جزءًا من الانتماء الوجداني والإيماني، ولا يمكن الابتعاد عن العقيدة والالتجاء إلى الوطن وحده؛ لأن أحدهما يكمل الآخر، ولا يمكن اختيار أحدهما دون الآخر؛ فالعقيدة تلهم الإنسان المبادئ، أما الوطن فهو الانتماء، ولا يلغي أحدهما الآخر.

كثيرًا ما يُطرح السؤال: «الوطن أم العقيدة؟»، وهو قائم على مقارنة لا معنى لها؛ لأن الوطن والعقيدة ليسا نقيضين حتى أختار أحدهما وأتخلى عن الآخر. وفي خضم جدل جديد طُرح في هذه الأيام، برز سؤال محدد أثار جلبةً من المواقف الساخطة والداعمة: «العقيدة أم الوطن؟». عدّ البعض السؤال فخًا، ورأى آخرون في الأمر تمثيليةً متفقًا عليها بين المقدّمة والضيفة، فيما أشاد آخرون بما وصفه البعض بـ«عبقرية الإجابة» التي ساوت بين الوطن والعقيدة، وعدّتهما مثل عينين لا غنى للمرء عن إحداهما.

أنا من الناس الذين يقولون إنها مسرحية جديدة طرحتها إحدى القنوات الفضائية، وأظن أنها كانت غير موفقة، أُريد من خلالها الإثارة فقط لا غير. أما الفنانة القديرة الذكية آلاء حسين، فقد وقفت موقفًا يعجز عن مثله الكثير من الآخرين، حين قالت: «هذه عين وهذه العين الأخرى»، في إشارة إلى العقيدة وحب الوطن، مما أثار البعض مشككًا في وطنيتها.

والحقيقة أن العقيدة تمنح الإنسان مبادئه، والوطن يمنحه انتماءه وجذوره؛ هذا يكمل ذاك، ولا يلغيه. فكيف يمكن لأي إنسان أن يختار أحدهما دون الآخر، بين الأرض التي ينتمي إليها والمبادئ التي يؤمن بها، وكأن الوفاء لأحدهما يستوجب الخيانة للآخر؟

علينا ألّا نضع أحدهما أمام الآخر، بل أرى أن الإيمان الصادق والعقيدة الصادقة دافعٌ لحماية الوطن وحبه بوصفه مساحةً نمارس فيها قيمنا ومبادئنا. فلماذا نبحث عن صراع بين شيئين يمكن أن يجتمعا في قلب إنسان واحد؟ ولماذا نحوّل ما يُفترض أن يبني الإنسان إلى معركة تمزّقه؟ الوطن والعقيدة ليسا خيارين على طاولة مفاوضات؛ إنهما ركنان من هوية الإنسان، ولا يكتمل المعنى بإنكار أحدهما لصالح الآخر.

قال تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 92]. هذه هي الحقيقة التي أراد الله أن تكون هي الوطن الحقيقي، ليس الوطن الذي يرسمه الأعداء، ولا الوطن الذي يحدده جواز سفر.

إن تقديم العقيدة على الوطن لا يعني الدعوة إلى كراهية الأوطان أو التخلي عنها؛ فالإسلام لا ينظر إلى حب الأرض باعتباره أمرًا مذمومًا، بل إن سيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تقدم أبلغ مثال على عمق ارتباط الإنسان بالأرض، وكذلك هجرته من مكة إلى المدينة؛ فقد غادر الأرض التي نشأ فيها وأحبها حفاظًا على الرسالة وتمكينًا للدعوة الإسلامية.

وهذه المواقف التاريخية تؤكد أن الأرض ليست أعلى من الرسالة، وأن الانتماء الحقيقي لا يمكن أن يُقاس بالبقاء الجغرافي وحده، وإنما يُقاس أيضًا بالثبات على المبادئ والقيم. وإذا أصبح البقاء في الوطن مشروطًا بالتخلي عن العقيدة، فإن الأولوية الشرعية تنتقل إلى حماية الإيمان، بحسب الاستطاعة والظروف والأحكام التي أقرّها ديننا. وهذا ليس دعوةً إلى تفكيك المجتمعات أو إضعاف الدول، بل هو تأكيد على أن قوة الأوطان الحقيقية تنبع من احترام الإنسان وحقوقه ومعتقداته.

ولا شك في أن الإنسان يمكن أن يغيّر الأرض التي يعيش فيها، أما العقيدة فتبقى. والرسول الكريم يقول في حب مكة: «وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ».

إن الوطن له حرمته والعقيدة لها حرمتها، ولا ينبغي التفريط في حرمة أي منهما، مع إقرارنا بأن حرمة العقيدة أجلّ وأعظم. ونتمنى أن نرى اليوم الذي ترفل فيه بلادنا بنعمة الأمن والإيمان والصحة والعافية، يهاجر إليها الناس بدلًا من أن يهاجروا منها، ويلتمسون فيها الرزق بدلًا من أن يلتمسوه في غيرها. ولا يكون ذلك إلا عندما تكون أوطاننا محكًّا لحقوق الإنسان، وعزًّا لمواطنيها، ومتقبّلةً للإبداع والتغيير، وبعيدةً عن الجمود والانغلاق.

بناء_العراق.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!