كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

بات مان

 ظهر «باتمان» أول مرة سنة 1939 في العدد السابع والعشرين من مجلة Detective Comics، ثم كُشف عن أصل حكايته: بروس واين، الطفل الذي شهد مقتل والديه، فكبر واتخذ هيئة الخفاش رمزًا يثير الخوف في المجرمين، وخرج ليلًا لمقاومة الجريمة من غير قوة خارقة؛ وإنما معتمدًا على الذكاء والتدريب والأدوات. وقد وضع الشخصية بوب كين وبيل فنغر، ثم انتقلت من قصة مصورة إلى واحدة من أشهر الشخصيات الدرامية في الثقافة الحديثة. 
غير أن «بات مان» لم يعد، من وجه آخر، بطلًا خياليًا يظهر في القصص والأفلام فحسب، بل أصبح وصفًا ساخرًا لنمط من الحياة أخذ ينتشر في مجتمعاتنا: إنسان ينام نهاره، ويستيقظ مع غروب الشمس، وينشط في الليل، ثم يعود إلى مخبئه عند انبثاق الصباح.
وهكذا أخذ «هيومن مان»، أي الرجل الإنسان الذي انتظمت حياته في أصلها على تعاقب النهار والليل، يتحول شيئًا فشيئًا إلى «بات مان»: الرجل الخفاش.
والخفاش نفسه كائن يستحق التأمل قبل أن نستعيره للتشبيه. فهو ليس طائرًا كما قد يوحي جناحاه، بل حيوان من الثدييات ينتمي إلى رتبة تسمى «اليد الجناحية»؛ لأن جناحه يتكون من غشاء ممتد بين أصابع طويلة. وهو الثديي الوحيد القادر على الطيران الحقيقي المتواصل. وقد عُرف منه أكثر من ألف وثلاثمائة نوع تتباين في أحجامها وغذائها ومواضع عيشها. 
تنشط أكثر أنواع الخفافيش في الليل، فتخرج بحثًا عن الحشرات أو الثمار أو الرحيق، وتستعين أنواع كثيرة منها بتحديد الموقع بالصدى: تطلق أصواتًا عالية التردد، ثم تستدل من رجوعها على مواضع الأشياء والفرائس، فكأنها ترى بأسماعها حين يقل الضوء. ولا تؤدي هذه الأصوات وظيفة الملاحة والصيد وحدهما؛ فقد تحمل كذلك معلومات اجتماعية تساعد بعض الخفافيش على تمييز أفراد مجموعتها أو الاهتداء إلى مواضع الغذاء.
وتأوي الخفافيش نهارًا إلى الكهوف، وشقوق الصخور، والأشجار والأبنية. ومنها أنواع منفردة، ومنها ما يتجمع في مستعمرات قد تبلغ أعدادًا هائلة. كما تجتمع إناث بعض الأنواع لرعاية صغارها، وتتقارب خفافيش بالتنظيف المتبادل وتتبادل الإشارات. فهي، خلافًا لصورتها المخيفة، ذات حياة اجتماعية وتعاونية معقدة.
ومن الطريف أن باتمان اتخذ الخفاش شعارًا للخوف، مع أن الخفافيش نافعة للطبيعة؛ فمنها ما يلتهم الحشرات، ومنها ما يلقح النباتات وينثر البذور. كما يُصوَّر البطل منفردًا، بينما تعيش خفافيش كثيرة في جماعات متعاونة.
لكن الفارق الأهم أن الخفاش لم يخالف طبيعته حين عاش ليلًا؛ فقد زُود بما يلائم الظلام من حواس وقدرات، وجُعل الليل ميدان معاشه والنهار وقت راحته. أما الإنسان، فلم يكتسب أجهزة الخفاش حين استعار توقيته: لم يصبح قادرًا على تحديد طريقه بالصدى، ولم تستغن عيناه عن الضوء، ولم تتغير ساعته الحيوية لمجرد أنه قرر جعل منتصف الليل أول المساء.
وقد لخّص القرآن النظام الأقرب إلى حياة الإنسان في كلمات قليلة: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا ۝ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا ۝ وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾. ولا يعني ذلك أن كل عمل ليلي مخالف للفطرة؛ فالطب والحراسة والنقل وبعض الصناعات والخدمات تقتضي حضور أناس في الليل. إنما موضع النظر أن ينقلب الاستثناء إلى نظام اجتماعي عام، فيصبح الليل وقت الحياة، ويغدو النهار وقت النوم والتعب.

كيف تحولنا إلى كائنات ليلية؟
لم يقع هذا التحول بقرار معلن، وإنما تسلل إلى حياتنا من أبواب متعددة. أولها حرارة الجو، ولا سيما في أشهر الصيف الطويلة؛ فالخروج نهارًا مرهق، بينما يصبح الليل ألطف نسبيًا وأصلح للحركة والزيارة والتسوق. وحين تعجز المدن عن توفير الظلال والمساحات الخضراء والنقل المريح، يُدفع الناس تلقائيًا إلى الهرب من النهار.
والسبب الثاني نظام الدوام. يخرج الموظف أو الطالب مبكرًا، ويعود عند الظهر أو بعده منهكًا من العمل والطريق والحرارة، فيتناول طعامه ثم ينام إلى المغرب. وحين يستيقظ يكون قد استعاد نشاطه، لكنه فقد قدرته على النوم المبكر؛ فيبدأ يومه الاجتماعي ليلًا، ويسهر إلى ساعة متأخرة، ثم يستيقظ في الصباح ناقص النوم ليعيد الدورة نفسها.
أما الهواتف والمنصات الرقمية، فقد ألغت العلامة التي كانت تعلن انتهاء اليوم. كان الليل يفرض هدوءه حين تغلق الأسواق وتنقطع الزيارات، أما اليوم فالعالم حاضر في شاشة صغيرة: أخبار ومحادثات وأفلام وألعاب وتسوق لا يعرف وقتًا للإغلاق. يستطيع الإنسان إطفاء مصباح غرفته، لكنه يبقي في يده نافذة مضيئة تمنع الليل من أداء وظيفته.
ثم تكيفت الأسواق والمقاهي والمطاعم والمناسبات مع هذا التحول، فأصبح من يريد النوم مبكرًا كأنه ينسحب من الحياة الاجتماعية. وهكذا صنع الأفراد السوق الليلية، ثم عادت السوق ففرضت إيقاعها عليهم.
ساعة في الجسد لا تغيرها الرغبات
لا يملك الإنسان زرًا يجعل به الليل نهارًا من غير كلفة. ففي الجسم ساعة حيوية تتأثر بتعاقب الضوء والظلام، وتسهم في تنظيم اليقظة والنوم وعمليات جسدية أخرى. وقد ينام الساهر ساعات طويلة نهارًا، لكنه لا يضمن نومًا مساويًا دائمًا في الجودة والانتظام؛ فالضوء والضوضاء والالتزامات وتقطع النوم قد تجعله أقل راحة.
وتظهر آثار الاضطراب المتكرر في ثقل الاستيقاظ، وسرعة الانفعال، وضعف التركيز. ولا تقف الخسارة عند صحة الفرد؛ فالموظف الناقص النوم قد يحتاج إلى وقت أطول لإنجاز مهمة قصيرة، ويكون أكثر عرضة للسهو وسوء التقدير، كما يجلس الطالب أمام معلمه أو كتابه من غير حضور ذهني كافٍ للفهم والحفظ. ولا ينبغي أن تخدعنا ساعات الحضور المنتظمة؛ فالإنتاجية لا تقاس بحضور الجسد وحده، بل بمقدار ما أنجزه العقل. وهكذا يسرق السهر من كفاءة النهار بعد أن سرق راحة الليل.
ولا يصح أن نحول ذلك إلى تشخيص لكل ساهر؛ فالناس يختلفون، وقد تضطر فئات إلى العمل ليلًا. إنما الخطر في أن يتحول الاستثناء إلى عادة عامة، ثم نطلب من أجسادنا التكيف معها بلا حدود.

بيت واحد وتوقيتات متعددة
لا يقف أثر السهر عند الفرد، بل يمتد إلى الأسرة. قد يكون الأب مستيقظًا والأبناء نيامًا، أو يعود بعض أفراد البيت فينامون حتى المساء ثم يخرجون حين يستعد آخرون للراحة. إنهم يسكنون بيتًا واحدًا، لكن لكل منهم توقيت مختلف.
وتفقد وجبة الظهر معناها العائلي، وتصبح الزيارة المتأخرة سببًا في إرهاق اليوم التالي، ويذهب الأطفال إلى مدارسهم ناقصي النوم؛ لأن البيت كله ظل مستيقظًا. وقد يعوضون ذلك بنوم طويل بعد عودتهم، فتتكون لديهم منذ الصغر الحلقة نفسها.
والمفارقة أن الليل قد يجمع أجساد الأسرة فقط، بينما ينفرد كل فرد بشاشته؛ فلا هو وقت للراحة، ولا هو مجلس اجتماعي حقيقي.

اقتصاد لا ينام
للحياة الليلية كلفتها الاقتصادية أيضًا. فالبيت الذي كان يهدأ بعد ساعات من الغروب صار يستهلك الكهرباء حتى الفجر: إنارة وتبريد وأجهزة وشاشات ومطابخ تعمل في أوقات متفرقة. وتبقى المحال والمطاعم والمقاهي مضاءة ومكيّفة ساعات أطول، كما تمتد حركة النقل والخدمات على مساحة زمنية تكاد تشمل اليوم كله.
ولا يعني ذلك أن النوم المبكر سيحل أزمة الكهرباء؛ فالحرارة الشديدة تجعل التبريد حاجة، والأزمة متصلة بالإنتاج والشبكات والإدارة. لكن اتساع ساعات النشاط يضيف استهلاكًا كان يمكن تقليله لو انتظمت أوقات العمل والراحة.
وثمة كلفة أقل ظهورًا حين تتحول ساعات من العمل والدراسة إلى وقت يمضيه الموظف والطالب في مقاومة النعاس بدل الإنجاز والتعلم.

هل المشكلة في الناس وحدهم؟
من السهل أن نلوم الناس ونطالبهم بالنوم المبكر، لكن نمط الحياة لا تصنعه الموعظة وحدها. فإذا كان الموظف يعود في أشد ساعات النهار حرارة، ويقضي وقتًا طويلًا في الازدحام، ولا يجد بعد الطعام إلا النوم، فمن الطبيعي أن ينتقل نشاطه إلى المساء.
وإذا بدأت المناسبات متأخرة، وبقيت الأسواق مفتوحة إلى ما بعد منتصف الليل، وأصبح الوقت العائلي مرهونًا بانتهاء الدوام الطويل، فلن يكفي أن نقول للفرد: أغلق هاتفك ونم.
ويزداد الخلل حين يمتد الدوام إلى ما يقرب من المغرب، فيغيب الإنسان عن قسم كبير من الأنشطة الاجتماعية والخدمية النهارية: متابعة شأن عائلي، أو مراجعة مؤسسة، أو زيارة مريض، أو قضاء حاجة لا تنجز ليلًا. وحين لا يترك النظام وقتًا معقولًا لهذه الضرورات، يحاول بعض العاملين التسرّب من الدوام؛ مرة بوسائل مشروعة كالإجازة والاستئذان، ومرة بوسائل غير مشروعة كاختلاق الأعذار أو تسجيل الحضور ثم الانصراف. ولا تبرر الحاجة هذه المخالفات، لكنها تفسر بعض أسبابها؛ فالإدارة الرشيدة تنظم وقت العمل بما يقلل التعارض بين الوظيفة وشؤون الحياة، ولا تكتفي بمطالبة الموظف بالانضباط.
المسؤولية مشتركة بين الفرد والأسرة والمدرسة ومؤسسة العمل وتخطيط المدينة. يستطيع الفرد ضبط عاداته، لكنه يحتاج إلى نظام عام يساعده بدل أن يدفعه في الاتجاه المعاكس.

دوام يبدأ بعد الفجر
لعلنا نحتاج إلى إعادة التفكير في توقيت الدوام نفسه، لا في عدد ساعاته فقط. لماذا لا يبدأ دوام المدارس والدوائر ـ حيث تسمح طبيعة العمل ـ بعد صلاة الفجر بساعة تقريبًا، ويتغير موعده مع تغير الفصول، بدل أن يبقى توقيتًا جامدًا لا يراعي اختلاف الشروق والحرارة بين الصيف والشتاء؟
في هذا التصور يبدأ الناس يومهم مع النور، وينجزون أعمالهم في الساعات الأصفى والأقل حرارة، ثم يعودون إلى بيوتهم عند الزوال. يصلون، ويتناولون طعامهم، ويأخذون قيلولة قصيرة تعيد إليهم نشاطهم، من غير أن تمتد إلى المغرب فتتحول إلى نوم ثان يسرق نوم الليل.
وحين يأتي المساء تكون هناك فسحة للأسرة والزيارة والقراءة وقضاء الحاجات، ثم يتهيأ الناس لنوم مبكر يعيدهم إلى الإيقاع نفسه في اليوم التالي.
ولا يمكن تطبيق المقترح بقرار مرتجل؛ فهو يحتاج إلى دراسة النقل، وعمل الأبوين، وأعمار الطلبة، واختلاف المحافظات والفصول، واستثناء الخدمات ذات المناوبات. ويمكن البدء بتجارب محدودة تقاس نتائجها في الطاقة والازدحام والحضور والصحة والإنتاجية، ثم يبنى القرار على نتائجها.
المقصود ليس إعادة الحياة إلى صورة قديمة بكل تفاصيلها، ولا إغلاق المدن ليلًا، بل إعادة التوازن إلى اليوم: أن يبقى الليل مجالًا للراحة والضرورة وبعض الاجتماع، لا أن يتحول إلى نهار بديل، وأن يعود النهار وقتًا للحياة لا ستارًا مسدلًا على نوافذ النائمين.
لقد أحسن الخفاش استعمال ليله لأنه عاش وفق طبيعته، أما الإنسان الحديث فقد أخذ منه السهر وترك له القدرة على التكيف معه. صنع في بيته شمسًا كهربائية، ثم أقنع نفسه بأن الليل نهار، ودفع من صحته وأسرته وماله ثمن هذا الوهم.
ولعلنا ننتظر يومًا يعود فيه الـ«هيومن مان» من مغامرات «بات مان»: يستقبل الصباح يقظًا، ويعمل والنهار معاش، ويسكن حين يلبس الليل الأرض، فيصالح ساعته التي على الجدار مع الساعة التي أودعها الله في جسده.

بات_مان.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!