على ضفاف الانتظار(111)
الشيخ حسين عبد الرضا الاسدي
المقالات لا تُعبر عن وجهة نظر الموقع، وإنما تعبر عن رأي الكاتب.
الشيخ حسين عبد الرضا الاسدي

بُطءُ حركةِ الأفلاكِ عندَ الظهور
تواجهنا العديدُ من الرواياتِ التي تتحدّثُ عن زمنِ ظهورِ الإمامِ المهدي بما لا نستطيعُ تعقُّله في أولِ وهلة؛ لأنّه مُخالفٌ لما ألِفْناه مثلًا من الأمورِ التكوينيةِ أو التشريعية، ومنها ما وردَ من أنَّ الأفلاكَ ستكونُ بطيئةَ الحركةِ في زمنِ الظهور، بحيث تكونُ السنةُ كسبعِ أو كعشرِ سنواتٍ من سنواتنا اليوم.
فقد رويَ عن عبدِ الكريم الخثعمي قال: قلتُ لأبي عبدِ الله: كم يملكُ القائمُ؟ قال: سبع سنين، تطولُ له الأيام والليالي حتىٰ تكونَ السنةُ من سنيِّه مقدارَ عشرِ سنينٍ من سنيكم، فيكونُ سنو ملكه سبعينَ سنةً من سنيِّكم هذه...
وعن أبي بصير، عن أبي جعفر -في حديثٍ طويل- أنّه قال: إذا قامَ القائمُ سارَ إلىٰ الكوفة... فيمكثُ علىٰ ذلك سبعَ سنين مقدار كُلِّ سنةٍ عشر سنين من سنيكم هذه، ثم يفعلُ اللهُ ما يشاء.
قال: قلتُ له: جُعِلتُ فداك، فكيفَ تطولُ السنون؟
قال: يأمرُ اللهُ (تعالىٰ) الفلكَ باللّبوث وقلةِ الحركة، فتطول الأيامُ لذلك والسنون.
قال: قلتُ له: إنّهم يقولون: إنَّ الفلكَ إنْ تغيّرَ فسد.
قال: ذلك قولُ الزنادقة، فأمّا المُسلمون فلا سبيلَ لهم إلىٰ ذلك، وقد شقَّ اللهُ القمرَ لنبيّه وردَّ الشمسَ من قبله ليوشع بن نون ، وأخبرَ بطولِ يومِ القيامة وأنّه ﴿ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ﴾.
ولسنا هُنا بصددِ بيانِ مُدّةِ حكمِ الإمامِ المهدي ، وإنّما في صددِ بيانِ قاعدةٍ كُليّةٍ تتعلّقُ بمسألةِ إمكانِ أو عدمِ إمكانِ تغييرِ بعضِ القوانينِ التكوينية، ومنها مسألةُ بطء الأفلاك. فنقول:
هنا عدّةُ خطوات:
الخطوة الأولىٰ: إنَّ اللهَ (تعالىٰ) موصوفٌ بالقدرةِ المطلقة، فلا يُعجزه شيء، وهذا أمرٌ مُسلّمٌ ولا يُناقشُ فيه مؤمن.
والذي نُريدُ التنبيهَ عليه هُنا هو: أنَّ اللهَ (تعالىٰ) عندما يستعملُ قدرتَه، فإنّه يستعملُها وفقَ الحِكمةِ المُطلقة، أي إنّ أفعالَه (جل وعلا) كُلّها مبنيةٌ علىٰ أساسِ الحكمة، وهذا أيضًا من الأمورِ التي لا يُشكّكُ فيها مؤمن، ولذلك فإنّ اللهَ (تعالىٰ) لا يُمكِنُ أنْ يُدخلَ الأنبياءَ والمؤمنين النار، ليس لأنّه (تعالىٰ) غيرُ قادرٍ علىٰ ذلك، وإنّما لأنّ هذا الفعلَ هو خلافُ الحكمة، وهو (تعالىٰ) حكيمٌ في كُلِّ أفعاله.
الخطوة الثانية: عندما خلقَ اللهُ (تعالىٰ) الكون، فإنّه جعلَ في هذا الكونِ نوعين من القوانين:
أ: قوانين تكوينية: تلك التي تتحكّمُ في نظامِ الحياة، كالجاذبية، والموت، والأمطارِ في ظروفٍ مُعينة، وكونِ الماءِ يتبخّرُ إذا وصلَ إلىٰ درجةِ الغليان، وهكذا.
ب: قوانين تشريعية: وهي باختصارٍ التكاليفُ الشرعيةُ التي فرضها اللهُ (تعالىٰ) علىٰ الإنسان، وهي الأحكامُ الشرعيةُ الخمسة (الوجوبُ والحُرمةُ والاستحبابُ والكراهةُ والإباحة).
وكُلٌّ من هذين النوعين قد جعلهما اللهُ (تعالىٰ)، إلا أنَّ الإنسانَ لم يُكلَّفْ بتنفيذ الأول؛ لأنّه خارجٌ عن قدرته، وهو متروكٌ لأمرِ الله (تعالىٰ) وتقديرِه وفقَ قدرته وعلمه وحكمته، وأمّا الثاني فإنَّ المطلوبَ من الإنسانِ أنْ يقومَ بتنفيذِ التشريعاتِ الإلهيةِ ليكونَ مؤمنًا.
الخطوة الثالثة: صحيحٌ أنَّ القوانينَ التكوينيةَ خارجةٌ عن قُدرةِ الإنسان، ولكنّنا نجدُ القرآنَ الكريمَ يُصرّحُ بأنّه يُمكِنُ أنْ يُعطيَ اللهُ (تعالىٰ) لبعضِ عباده قدراتٍ فائقة، يستطيعون من خلالها التصرُّفَ بالقوانينِ التكوينيةِ وفقَ الإذنِ الإلهي، ولا أوضحَ من الآياتِ التي كانَ يقومُ بها النبيُّ عيسىٰ من إحياءِ الموتىٰ وشفاءِ المرضىٰ والإخبارِ بالمُغيبات، وهكذا انشقاقُ القمرِ للنبي الأكرم وغيرها من المواردِ الكثيرةِ والواضحة.
ومن أوضحِ من ذكرهم القرآنُ الكريمُ ممّن تجاوزَ القوانينَ التكوينيةَ العاديةَ إلى الخارقة، هو (آصف بن برخيا) الذي أتى بعرشِ بلقيس أسرعَ من لمحِ البصر؛ إذ الإتيانُ بالعرشِ من مسافة بعيدة وبسُرعةٍ فائقةٍ هو خرقٌ للقانونِ الطبيعي الذي يقتضي استغراقَ وقتٍ طويلٍ لوصولِ العرشِ إلى النبيّ سليمان، قال (تعالى): ﴿ قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ﴾
إذا تبيّنَ هذا نقول:
إنَّ مسألةَ (بُطء حركة الأفلاك) تُعَدُّ مسألةً عاديةً جدًا إذا أخذنا بنظرِ الاعتبارِ أنَّ اللهَ (تعالىٰ) قادرٌ علىٰ ذلك، ومعه، فقد تستدعي حِكمةٌ معينةٌ جعلَ الأفلاكِ تسيرُ ببُطءٍ، بحيث تكونُ دورةُ الأرضِ حولَ الشمسِ بفترةٍ لو قسناها بالفترةِ اليومَ لكانَ مقدارُها سبعَ أو عشرَ سنين.
وقد بيّنَ الإمامُ الباقر أنَّ من يُنكِرُ إمكانَ ذلك ما هو إلا كافرٌ باللهِ العظيم، وأنّه لا سبيلَ للمسلمِ أنْ يُنكرَ إمكانَ ذلك، وذكرَ عِدّةَ شواهدَ وقوعيةٍ تدلُّ علىٰ إمكانِ التصرُّفِ في القوانينِ التكوينيةِ بإذنِ اللهِ (تعالىٰ). فقال: فأمّا المسلمون فلا سبيلَ لهم إلىٰ ذلك، وقد شقَّ اللهُ القمرَ لنبيّه، وردَّ الشمسَ من قبله ليوشع بن نون، وأخبرَ بطولِ يومِ القيامة وأنّه ﴿كَألفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ .
قناتنا على التلغرام : https://t.me/kitabat