وصف أهل النقد (المقدمة) بأنها الباب الذي منه نلج البيت، وهو الجذر الأساسي لكل صرح، ولكل كاتب أسلوبه في كتابة مقدمة كتابه، قدم لنا الأستاذ (شاكر اليوسف) في مقدمته بعض الرحلات العامرة من الشك إلى اليقين، وعن بعض المذكرات التي دونت لنا سيرتها وسط التحديات الفكرية والإلحادية، والمادية، وتردد بعض التجارب التي وقعت في فخ (لا أدري) تتجاذب الشبهات والأوهام وهناك (لا ديني) يقر بوجود العالم الآخر ويقر بوجود الخالق العظيم سبحانه، لكنه لا يلتزم بالتعبد وفق منهج معين، يرفض الالتزام بدين محدد، وينظر للكتب السماوية باعتبارها جهد بشري،
سعى الكاتب للنظر إلى جوهر الموضوع بمنظور علمي يتمثل بالاتجاه التأثيري لينطلق إلى رؤية مميزة للعلم بعيدا عن الرؤى التقليدية، ليعبر عن مضمون المصير الإنساني في جوهر الحقيقة، الانتماء لقيم الوعي للنظر في معنى أن يقرأ الإنسان ليعيد لذاته الفكر المدرك، عرض في مقدمة رحلة فكر، بطبيعتها تعبيرا عن مسألة حياة ترتبط بالاستجابة الفعلية للقراءة.
لهذا منحنا الدرس الأهم عبر المقدمة، إن أهم الركائز الأساسية للبناء المعرفي هو الوصول إلى عمق المضمون أو التعبير عن تجربة ثلاثين سنة في البحث والاطلاع على الاكتشافات العلمية في مجال الأحياء والطبيعة
يصل بنا إلى هذا الواقع الفكري، هو الحد الفاصل ما بين الإدراك المثقف المسؤول وبين الوهم الثقافي.
التجربة كونها ترتكز على رؤى سليمة تزيده بصيرة بحقيقة الإيمان بالخالق الصانع المدبر، لنبصر من خلال هذا المضمون إلى ما يسعى إليه العلمانيون اليوم لتقديم المعرفة، وكأن لها سبيل غير سبيل الإيمان باعتبار أن الإيمان له رؤية لما بعد الحياة، والمعرفة لها شان حياتي، هذه قفزة على واقع الفكر، الصلة بين المعرفة والإيمان متماسكة، بمعنى أن العلمانيين يرفضون أن يكون الدين مصدر للوعي المعرفي، ويبعدون بنفس الوقت المعرفة عن الإيمان، منهم من يطالب بفصل الدين عن السياسة، ومنهم من يطالب فصل المعرفة عن الإيمان، وباسم المعرفة حاولوا الطعن بالإيمان، وكأن الدين حارب المعرفة.
سجل لنا الأستاذ شاكر اليوسف نتاج ثلاثين سنة من المتابعة العلمية الشغوفة، والتأمل الواسع في جوانب الخلق، وفيوضات الوحي، رحلة من الإيمان إلى اليقين، ومن الفطرة إلى البصيرة، ومن التصور إلى التصديق، هذا الكلام الرائع يذكرني بقول العلامة الطبطبائي قدس سره (القران لا يدعو إلى إيمان بغير معرفة، فكانت من خصوصيات القران الكريم أن يهدي للتي هي أقوم.
اشتغل الأستاذ اليوسف على أن يؤكد على وجود العلاقة المتبادلة بين المعرفة والإيمان، (الإيمان) في تكوينه الأساسي يتكل على العقل وحده، ثم في البحث عن تفاصيل المعرفة والفكر، لقد دون لنا في هذه المجموعة أكثر من (200) فكرة وبطاقة تأملية وبحث ودراسة علمية مهمة في فضاءات التكوين وعوالم الأحياء والنبات
وقرب الإجابة عن أسئلة مهمة في الخلق والتكوين وما يرتبط بفهم وجود الخالق والإيمان به، وسنجد في الحاشية كما شخصها لنا الباحث ما يقارب الألف آية تشير إلى مطالب الكتاب، ونجد الكثير من التعليقات والهوامش التوضيحية النافعة إضافة إلى الإيضاحية، ليكون المنجز منجزا علميا وله دلالات فكرية تنقل الواقع الفكري للانتماء للدين وللإسلام وأن يبعد عنه الإسقاطات الفكرية للعقل الغربي وصراعاته مع الكنيسة، القراءة التي قدمها الكتاب لم يضع لنا الإعجاز العلمي للقران الكريم، ومع هذا يشخص الباحث أن القراءة المتأنية والباحثة في هذا المنجز تأخذ متلقيها إلى بعض أمور مهمة منها تنمية موهبة التفكير والتأمل في الآفاق، والتفكير هو أرقى سمة يتسم بها الإنسان، نعمة إلهية وهبها الله لبني البشر ونتيجة موهبة التفكير باعتبارها شكل من أشكال السلوك الإنساني وظاهرة من الظواهر النمائية التي تتطور عبر مراحل العمر.
والتوفر على خزين نافع من الأفكار والنظريات والعلوم الطبيعية الحديثة وآخر الكشوفات العلمية، والكتاب كما يصفه مبدعه ليس موضوعا لإثبات الإعجاز العلمي في القران الكريم، والمعلوم بأن الإنسان دون خزين معرفي لا يمكن أن ينتج الأفكار.
(والأفكار) لا تنتج من فراغ وإنما تنهل من الخزين الفكري الممتد من عمق التاريخ، ولا ترتبط قيم الفكر بالزمن، نحن أمام مدرسة فكرية إنسانية، يتعلم الإنسان فيها صناعة الفكرة، ففي هذا المنجز نتعرف على عدة مذاهب أسلوبية مهمة.
تجيب تلك القراءات على كثير من الأسئلة المرتبطة بالأيمان ويخرص الملحدين بالوعي والفكر الرصين.
الذي أسعدنا في صدى الروضتين أن المنجر صدر في وقت يعمل فيه الكثير من أصحاب تجار الفكر على تضخيم الفكر الملحد باعتباره جزء من الحتمية التاريخية، وإعطاءه زخم التنامي المعرفي وتسويق الفكر أمام خلق تصورات ذهنية بأن المفكرين المسلمين عجزوا عن رد تلك الشبهات، وأن التنامي المعرفي الملحد أكبر من التنامي المعرفي المؤمن.
يحمل المنجز الكثير من سمات الفكر التأملي، فالباحث يقول في مقدمته أن أغلب ما جاء في الكتاب هو تأملات محضة ويرى أن هذه التأملات حرة غير مطالبة بأدلة، مفهوم التفكير التأملي يذهب إلى قضية ذات جوهر دقيق، توجيه العمليات العقلية لأهداف وتحليلها والتخطيط لأي أجراء بوعي ذاتي، بمعرفه ذاتية ليكون مصدر أي فكرة جديدة هي وليدة الموقف ويعزز لنا شعور الثقة بالنفس وفهم الأساليب الموائمة، وتحسين الكفاءة الفكرية، تتوالد الفكرة عبر هذا المخاض التنموي لتكون لنا الهوية الفكرية اعتمادا على ما ينسجم مع معرفية الذات والموافقة للانتماء الوجداني لمدرسة أهل البيت عليهم السلام.
وكتب المبدع في مقدمته أن البحث أورد الكثير من الآيات في حاشية تلك الأفكار والبطاقات والبحوث المذكورة ليس من باب تخريج المصدر، وإنما من باب الإشارة إلى أن القران الكريم نبه على هذه الفكرة في دعوته للتدبر في الخلق والنظم والطبيعة.
(سؤال) لماذا لم يضع أكثر الآيات القرآنية في المتن بل وضعها في الحاشية؟
(الجواب) يرى الباحث في تشخيصه عن هذه الحالة أنه لا يريد أن يتحول إلى كتاب وعظ ديني، وليبقي في جوهره كتاب تفكر وتأمل مفتوح للجميع،
فكرة ذكية توحي لعدم القوقعة، بل الانفتاح على التضاد الفكري وعدم توهين المخاطبة الفاعلة مع اللا دينين والملحدين، وإشراكهم في العمليات الذهنية لقراءة واعية ترفع عنهم غشاوة معايير موضوعة، ويرى الباحث أن الغرض من الكتاب هو ذكر الله سبحانه وتعالى، لتعزيز الإيمان بالخالق واستعراض بعض أوجه النعمة والإبداع والحكمة في خلقه وتدبيره، ومكافحة القول بالصدفة والتطور البيولوجي في وجهة الإلحاد المظلم، ونجد أن أهم سبل توطيد العلاقة مع الإيمان تعزيز العلم والمعرفة وترسيخ الوعي الفكري الإنساني.
ضم هذا الكتاب مجموعة من بطاقات تأملية موضوعة للتفكر والتدبر
قناتنا على التلغرام : https://t.me/kitabat