الكل يعرف الجسد، وأن هناك فرقاً بين الجسد والجسم، وعلينا أن نعرف أن الكلمتين متقاربتان في الحروف وفي المعنى, ونلاحظ أن القرآن الكريم يفرِّق بين الكلمتين تفرقة بالغة الدقة.
الجسم بحسب المفهوم القرآني يُطلق على البدن الذي فيه حياة وروح وحركة، أما الجسد فيُطلق على التمثال الجامد, أو بدن الإنسان بعد وفاته وخروج روحه، قال تعالى: (إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ) فالآية تتحدث عن الجسم الحي.
أما الآيات القرآنية التي تحدثت عن الجسد كقوله تعالى: (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ). فالجسد هو البناء العضوي المادي، ولكل كائن جسد، نباتاً كان أم حيواناً، ويتم استخدامه في الحياة الدنيا، وهو بناء يفنى بانقضاء الزمن، قال تعالى: (وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَّا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ). سبحان الذي خلق الإنسان وجعل فيه هذه الروح العظيمة التي لا مثيل لها، والروح لا توجد في جسد الإنسان فقط، بل موجودة في الإنسان والحيوان والنبات، والروح من أمر الله وليست من خلقه، فكل مخلوق فانٍ، أما أمر الله فهو خالد, والروح تنفخ في جسد الإنسان في الأسبوع السادس أو السابع من الحمل، وهو التاريخ الذي يبدأ فيه القلب بالنبض، ولا تنتهي الروح بمفارقتها للجسد، بل تستمر في حياة البرزخ بعد الموت إلى يوم البعث. كما أن النفس شيء عجيب أعطاه الله (سبحانه وتعالى) للإنسان يفوق الروح والعقل والجسد.. والنفس شيء يتفرّد به الإنسان عن الحيوان والنبات، وهي تموت بخروج الروح والعقل من الجسد فيموت وعيها عن الإدراك للحياة الدنيا، قال تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ). ولكنها تبقى خالدة في حياة البرزخ مع الروح والعقل، وهناك سوف يكون الحساب الذي تأخذه النفس والروح والعقل والجسد بصورة عامة.
إذن، إن جسد الإنسان يحتوي على العقل, والدماغ, والروح، والنفس, واللسان, والعين, والكثير من الأمور التي يعجز الإنسان عن صنعها، فهذه خلقة الباري (جل وعلا)، حيث إن لكل جزء, أو لكل عضو من أعضاء جسد الإنسان عمله الخاص ومنظم بتنظيم رباني, ويعجز الإنسان عن وصفه.
نعم، قد يبقى الجسد فترة من الدهر دون أن يبلى إكراماً من الله لذلك المقدور، وهذا ربما اطلع بعضنا على وقوعه، لكن لا نجزم أن هذا يبقى إلى أبد الدهر... لكن ثمة اتصال بين الروح والجسد يوم القيامة، فبعد أن ينفخ في الصور إسرافيل (ع) يقوم الناس لربِّ العالمين, والذي يحصل قبل ذلك القيام أن الأرواح تفارق عليين إن كانت أرواحاً مؤمنة، وتفارق سجين إن كانت أرواحاً كافرة، وتصل إلى الأجساد في قبورها فتتصل الروح بالجسد، وتدبّ الحياة، وتعود النفس، ويُحشر الناسُ حفاة عراة، قال الله (جل وعلا) عن أهل طاعته: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ). فصالح جسدك قبل فوات الأوان؛ فإذا فارقت الروح الجسد لم يبقَ لك سوى عملك الذي عملته أو حواسك التي أعطاك الله إيّاها (سبحانه وتعالى)؛ لأنك إذا صالحت أي خاصية من الخواص التي ذكرناها سوف تكون في أمان، وسوف يكون مصيرك الوعد الحق والجنة إن شاء الله تعالى.
قناتنا على التلغرام : https://t.me/kitabat