صورة العرب في عصر الانحطاط..
ادريس هاني
المقالات لا تُعبر عن وجهة نظر الموقع، وإنما تعبر عن رأي الكاتب.
ادريس هاني

تجاوز العرب مرحلة الاندهاش بالتقنية إلى حالة الأنس بها واستعمالها..ومع ذلك ظلوا بفعل النسيان قوما لا يحملون مسؤولية التصنيع..مرّت مطالب النهضة الملحّة في التباس من أمرها وفجأة خيّم شعور جماعي بأنّ العرب جاوزوا مرحلة النهضة وهم اليوم يتمثّلون الحداثة في أطوارها المتقدّمة..تظهر حالة الهشاشة عند المقارنة مع المجتمعات المتقدّمة حيث تحوّلت التقنية إلى ثقافة ومسؤولية وحالة تمنح الإحساس لدى صانعها بالاستقلال والتفوق..الكائن العربي كائن مستهلك لا يتوفّر على حسّ المسؤولية والرغبة في الانعتاق من تأخّره الذي لم يعد يراه بقدر ما بات يوحي لنفسه بأنه يعيش القرن العشرين والقرن الواحد والعشرين..المجتمعات المتقدّمة من ناحية شعورها بالمسؤولية والتفوّق تتجاوزنا بمئات السنوات الضوئية..هو الأمر نفسه الذي سمّيته الثمار الخلاّقة للعقل الأداتي، حيث حجب الكثير من الآثار لكنه منح آثارا أخرى..فالعرب لم يتمثّلوا العقل الأداتي بمسؤولية ولم يحاربوه ببديل من منظومة القيم..ظلّوا عقلا غير كارتيزي أي نعم، ولكنهم أيضا ظلّوا عاجزين عن تحقيق منظومة قيم حيوية..
انظر مثالا على ذلك كيف يسوس العربي حكومته..فهو يعتقد أنّ السياسة القطاعية مفصولة عن مطلب النهضة التاريخي..فالنهوض بالقطاع يعني تنفيذ مستلزماته ومحاولة ترقيعه في المدى الحكومي وليس في المدى التاريخي الوطني..تحولت التنمية إلى لعبة انتخابية وتراشق بالبرامج أثناء الحملات الانتخابية فيما تشهد فترة الحكومة أقصى خطاب التبرير: تبرير التخلف والعجز..يتبجّح رئيس الحكومة مثلا بأنّه استطاع إقناع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بضخ البلاد بمزيد من الديون..ويعتبر ترحيل الرأسمال ضمن مخطط الـ(ami) الخفي مكسبا تنمويا استراتيجيا..أمّا الصناعة فهي في الحدّ الأقصى مشاركة وليس ثمّة ما يعد بأنّ النهوض بقطاع التعليم هو في خدمة نهضة أمة لا زالت لم تجب بعد عن أسئلة النهضة التقليدية: كيف نتقدّم..كيف نستقل..كيف نتحوّل إلى نموذج حضاري؟..أجوبة العرب اليوم هي أجوبة العتبة ما قبل العصر الحديث..ما قبل عصر الدّولة..ما قبل ديكارت..أجوبة لا تحضر فيها الشجاعة من أجل المعرفة..والعقل فيها لا هو أداتي ولا فوق أداتي..هو استهلاك لنتائج عقل مستعمل ومستنفذ..حداثة الخرذة وفلسفة الخرذة وآداب الخرذة..
يعيش العرب اليوم عهد المزايدة فيما بينهم، بينما لا أحد منهم اعترف بتموضعه المتأخر في ركب التنمية ولا أحد منهم اكتسب الشجاعة السياسية لتكريس وجوده المستقل وتثبيت سيادته الكاملة على مجاله..ما يجري في السياسات هو مجرد تجلّي لما يحصل في الثقافة العربية في طور هزيمتها الحضارية..إنّ النخبة العربية إن في الفكر أو السياسة هي نخبة لا تقف على أساس من الكتلة التاريخية..فالشعوب العربية نفسها تعاني من مرض عضال..سيكولوجيا الإنسان الهاذي..الإنسان المقهور..الإنسان الحقير..الإنسان الزوفيليك الذي تظهر حيوانيته في تعاطيه مع الآخر..في توحّشه وعنفه المادي والرمزي..في تعامله مع المرأة باعتبارها من جملة المتاع، أعني باعتبارها موضوع صيد..طريدة..متنفّس ليبيدينالي..المرأة في المجتمع العربي هي موضوع للتّحرّش..والتحرّش يأخذ مستويات وتقنيات في النفاق الاجتماعي لا تعدّ ولا تحصى.. يتساوى المحتال في صيد الطريدة بألوان من الإيتيكيت مع الكائن الدّاعشي الذي هو في نهاية المطاف نبتة من تربة هذا المجال الذي يعاند في انحطاطه..هذا كائن محتال يعمل وفق نظرية الألعاب في محيط فيه بقايا عرف ونظام وذاك كائن سفيه متوحّش يعمل خارج كل الأعراف والقوانين، بينما تبقى السيكولوجيا هي نفسها: سيكولوجيا كائن في طور تاريخي سحيق..ينتمي إلى عصور الصيد البدائية..مدار حياته ومعاشه على الصيد..لا شيء جدّي في حياة العربي سوى الجنس..قلّ شأنه أم علا..وكل حيوانيته تمشي بوقاحة وبابتسامة الحقراء..لا شرف له ولا إحساس..لا دستور ظاهر أم خفي..لا حبّ ولا وفاء..لا يصلح للسلم ولا للحرب.. يحبّ الترف من دون إنجاز..كسول ذو مزاج ريعي تحيط به الآفات وتقتله مدلهمّات الأحداث.. وهذا متوقّع من كائن فقد البوصلة الحضارية والذّوق الرفيع ومعالم الرّقي في نفسه..العربي اليوم فاسد الضمير..كائن غير مسؤول..فاقد للمبدئية..عدواني..متحرّش كالكلب العقور بالمرأة على طول الخطّ..يحنّ إلى الانحطاط..انهزامي..هشّ..محتال..صاحب بهتان..كلّ هذا لأنّ أمرين افتقدهما العرب في راهنهم بينما هما من أصل أصول القيم العربية: المروءة وحدس في المروءة...
قناتنا على التلغرام : https://t.me/kitabat