ربيع عربي وفق البرمجة اللغوية العصبية
ادريس هاني
المقالات لا تُعبر عن وجهة نظر الموقع، وإنما تعبر عن رأي الكاتب.
البرمجة اللغوية العصبية لما سمي بالربيع العربي يعطينا انطباعا على أنّ كل شيء في الحرب الناعمة يستعمل بما في ذلك الثورات..إنّ القوة الناعمة يعني شكلا من التدبير الخفي لنحفّزات كثيرة من دون اللجوء إلى القوة الخشنة..ليست تسريبات الويكيليكس وحدها من تصلح للقوة الناعمة كما ذهب جوزيف ناي مهندس هذا النوع من القوة، ولكن حتى الثورة قد تخضع للتجريد من شرودها الموضوعية وفلسفتها العميقة لتصبح في خدمة القوة الناعمة..فثورة الربيع العربي ولدت كشكل من المغالطة التّاريخية، لأنها جرّدت الثورة من جوهرها التّاريخي الذي يعني استنقاذ السيادة الكاملة للشعوب بما فيها سيادتها السياسية..لم يفعل جين شارب أكثر من توظيف هذه الديانة الجديدة التي أسموها البرمجة اللغوية العصبية التي تقوم على ضرب من الإقناع الخادع بأنصاف الحقائق وتتثقف الإنسان على ضرب هجين من العقلانية المزيّفة..وكان من الطبيعي أنّ الثورة برسم هذا الربيع الكاذب أصبحت تؤثّث لأولويات تناقض طبائع الأشياء..أوّل تلك المغالطات هو اعتقاد ضحايا هذه اللعبة أنّ الدّولة أمر سهل المنال بمجرّد أن تقرر طلائع تلك الثورات الحاجة الماسة إلى الدّولة..يجهلون على الأقل أنّ انهيار الكيانات تستتبعه الكثير من تناقضات ما قبل الدّولة..وحينما تتأسس تقاليد اللاّدولة حينئذ تصبح عائقا بنيويا لقيام دولة..والمجتمع الذي يعجز عن بناء دولته ينتهي إلى الانتحار الجماعي..فالسيادة الشعبية بالنتيجة تستتبع قيام دولة لأنّ هذه الأخيرة هي العنوان السياسي لسيادة أمّة..فلا يمكن الدخول إلى استحقاقات المجتمع الدولي بمجتمعات اللاّدولة..عملت البرمجة اللغوية العصبية على طريقة جين شارب على استصغار شأن الدّولة مما انتهى إلى شكل من الفوضوية..لكنها فوضوية تستند إلى ضمانات القوى الأجنبية التي مارست وصايتها على هذه الثورات ومكّنت للكثير من المعقّدين والضعفاء أن يحكموا بلا شروط سيادية مما جعل حكوماتهم دينا على رقابهم بموجبه يدفعون مقابلا عنه برزم من التنازلات وتمكين الخارج من الامتيازات..لقد تمّ ضرب مفهوم السيادة مرّتين خلال العشريات القليلة الماضية..ضرب على إثر موجة الكوكبة التي منحت للأجسام غير الدّولانية أن تكون لاعبا دوليّا وهو ما كان على حساب السيادة، حيث الانتقال السريع للراسميل والاستثمارات والأنماط فرض شكلا من التعقيد والتنازع حتى بين أشكال القوانين الذي جعل المهمّة بالغة الصعوبة على صعيد القانون الدّولي الخاص،وأما الضربة الثانية فهي مع شيوع هذا الضرب من الثورات التي جعلت الفعل الثوري تكريسا للتبعية، حيث باتت الثورات موقّتة على إرادات جيوستراتيجية ومخططات دولية وشكلا من التآمر الناعم الذي يتحوّل عند الاقتضاء إلى حرب خشنة..اليوم بعد سنوات من المحاولة لتثبيت واقع جديد في المنطقة تبيّن أنّنا انتقلنا من لعبة القوة الناعمة إلى لعبة القوة الخشنة..فعسكرة الثورات وحقنها بموجات الإرهاب هو نتيجة لإخفاق سياسة القوة الناعمة في أن تغيّر من واقع المنطقة..نعم لقد استطاعوا أن يدخلوا المنطقة في حروب استنزاف مرعبة ولكنهم فشلوا في تثبيت المنطقة على خياراتهم النهائية..
قناتنا على التلغرام :
https://t.me/kitabat
ادريس هاني

قناتنا على التلغرام : https://t.me/kitabat