من الداروينية البيولوجية إلى الداروينية الأخلاقية
ادريس هاني
المقالات لا تُعبر عن وجهة نظر الموقع، وإنما تعبر عن رأي الكاتب.
ادريس هاني

حتّى الآن لا شيء مقنع ـ بالنسبة لي ـ في نظرية (أو بالأحرى أيديولوجيا)داروين من النّاحية البيولوجية، لكنّني أقبل بها من النّاحية الأخلاقية والسياسية..وهذا لا ينحصر فقط في ترحيل لغة الأناسي إلى عالم الحيوان كما فعل ابن المقفع في كليلة ودمنة أو البهائي في رسالة النفاق بين القط والفار أو لافونتين في حكاياته أو أورويل في مزرعة الحيوانات..هذا ضرب من الاستنطاق الحيواني الذي يعزز الخطاب السياسي، لكن أقصد أنّ الطبقة السياسية وعموم البشر من الناحية القيمية هم حيوانات في مزرعة السياسة والقيم الجماعية..هي مسوخ وأخطر ما فيها أنها تحاسب بمسؤولية الإنسان حتى لا تفلت من العقاب..الحيوانية هنا ليست أصلا بيولوجيا وإنما هي صيرورة وتجربة وانحطاط..ردّة نوعية سبق ونعتناها بالتخارج النوعي الذي هو خاصية إنسانية..ربما لا يصار إلى القول بالانقلاب في الماهيات الإنسانية وهذا صحيح على الرغم من ورود أدلة كثيرة عن نفي الانقلاب ولكن دليلي المستحدث عن نفي الانقلاب عن الماهيات الإنسانية هو ما تقتضيه العدالة لأنّ من خلق مسؤولا وعاقلا بالقوة يتحمل نتائج انحطاطه، لذا تعيّن بقاء ماهيته العميقة بعد عوارض وجوده الحيواني..فلو حصل انقلاب في الماهية في هذا المقام انتفت المسؤولية وفلت الجاني من العقاب..وأسمّي هذا الدليل: دليل العدالة الأنطلوجية، لأنّ إرادة النزول عن شرف الوجود هي أكبر جريمة يرتكبها الإنسان..
تقسيم الأنواع حسب وظائفهم يؤكّد أنّ الإنسانية مكتسبة..وأنّ الإنسان مهدّد بالحيوانية إلاّ بقدر نضاله وتساميه..في حديث روي عن الإمام زين العابدين في قوله لزرارة: الناس في زماننا على ستّ طبقات :
أسد، وذئب، وثعلب، وكلب، وخنزير، وشاة :
فأما الأسد : فملوك الدنيا يحبّ كل واحد منهم أن يغلب ولا يُغلب.
وأما الذئب : فتجّاركم يذمّوا إذا اشتروا، ويمدحوا إذا باعوا.
وأما الثعلب : فهؤلاء الذين يأكلون بأديانهم، ولا يكون في قلوبهم ما يصفون بألسنتهم.
وأما الكلب : يهرّ على الناس بلسانه، ويكرهه الناس من شر لسانه.
وأما الخنزير : فهؤلاء المخنّثون وأشباههم لا يُدعون إلى فاحشة إلا أجابوا.
وأما الشاة : فالذين تجزّ شعورهم، ويُؤكل لحومهم، ويُكسر عظمهم، فكيف تصنع الشاة، بين أسد وذئب وثعلب وكلب وخنزير؟!
في عالم السياسة تبدو الأنواع في غاية الوضوح..ففي السياسة يظهر الانهيار الدراماتيكي لمنظومة القيم الإنسانية، حيث مع انهيارها تظهر ملامح الحيوان في كائن لا زالت السياسة تفقده الإنسانية..وحيث تتضخم الرغبة ويتنامى هوس الكائن تبدأ تلك الملامح البهيمية في الظهور..ليس عيبا أن يكون الحيوان حيوانا خلق لذلك، ولكن العيب كله في إنسان تحيون بقرار حرّ حيث لا ينبغي له ذلك..فالسقوط الحرّ من طبق نوعي أسمى إلى آخر أدنى هو زلزال في تراتبية الأنواع..إنّه يستحيل على حيوان أن يصبح إنسانا ولكن من السهولة بمكان أن يصبح الإنسان حيوانا..ففي مثل هذه الحالة سيعتبر القيم حربا ضدّ حيوانيته..فالإنسان الخطّاء يحب أن يكون حيوانا في صورة إنسان..وهذا شائع في دنيا البشر..
قناتنا على التلغرام : https://t.me/kitabat