انتحار مؤجل
عدنان المبارك
بالمصادفة ألتقيت بشاعر أعترف بأنه أراد الانتحار قبل سنة. اكتشف أنه لن يصبح شاعرا تعرفه التجمعات الأدبية والميديات والكتب المدرسية أو يصل شعره الى الخارج من عربي وغيره. فرشة المرحاض ذكرته بفرشة تنظيف القناني في المطعم الذي كان يغسل فيه الأواني. قررأن يكون متشردا لكن جبنه ، وهذا اعتراف جوهري حقا ، حال دون التنفيذ. هذا الشاعر طويل نحيف عيناه كأنهما من زجاج رمادي. رغم أنه يتكلم بعصبية ويبلع بسببها كلمات كثيرة لم أجده بالمزعج. كلامه يدور حول أناه المسكينة. أعطاني كم ورقة من أشعاره. قرأت فيها أنه بحكم العادة يحلق ذقنه أحيانا، ما العمل، فحتى الموتى ينمو شعرهم ولو لأمد قصير. بحكم العادة أيضا يدخل، أحيانا أيضا، في نساء ما، وأحيانا أيضا يحبلن لكنهن يلدن أشباحا من القبور. لا يهم ، فهو ميت أيضا، وأحيانا أيضا يكتب الأشعار وهو عارف بأنه يزعج الدولة بهذه الصورة. انتبهت الى ديباجة تلك الأشعار: (نحن لا نبيع، نحن لا نشتري، لكننا نخون دائما ... ). ترددت قبل أن أقول له: اذن الحياة عندك جنس وغيره من الأفعال البيولوجية، وكتابة الشعر لا غير؟ هز رأسه موافقا. بعد فترة صمت قصيرة تكلم بهدوء هذه المرة عن أنه يعزز يوميا موقفه مما أسماه ب(الخارج القريب والآخر البعيد). كنت مثله تمثالا للخوف سائرا. هو خوف، لكنه مقموع بقوة. نفور من الطبيعة بسبب حشراتها خاصة. لغاية اليوم أضحك ، طويلا، مما قاله القديس فرنسيس: أخي الطير. ماذا! أختي البعوضة؟ أخي الجرذي؟ أخوتي المقروبات؟! هكذا كانت تنطق أمي الكلمة. العالم مشطور الى قسمين أبديين : بشر بحاجة مستديمة الى الأكثر، وبشر يعملون كل شيء من أجل الاحتفاظ بالأكثر. لا انقاذ. الأميركان عملوا حربا واحدا ولن يكرروا الفعلة. من يخلّص الناس من أبناء القحاب ربيبي العوز واستسهال القتل والتنكيل. أحسدكم يا عالم، يا رهائن أبديين، على طول صبركم. لا أحسد الجميع ، فتلك الكتلة السوداء تخيفني دائما والى درجة أني أقوم بالتشبه بأبنائها في الشارع والدكان والباص كي أتجنب عنفهم الكامن الذي قد يبرز على السطح في كل لحظة. ذلك الشاعر (الفاشل) تكلم أيضا عن شقراء أطفأت شهوتها مع واحد شبيه بالنياندرتال وتوجهت الى الله بالشكر: رباه أنت تعرف لم خلقتني. قحبة صغيرة بمؤخرة قرد. أما شبيهي، أي المزعج المتربع فيّ، الخارج من البيت والمتواجد هنا وهناك فيفعل العكس: يتأوه حين يعود ثم يصرخ بربّه : أنت يا سادي، يا شرير، لم خلقتني؟ حضوري في العالم أشد عذابا من دفع تلك الصخرة الى القمة. لا ، أنا أبالغ . فمرجلي الذي يفورماؤه بلا توقف ، ليس في الجسم بل في الروح التي عقدت زيجة مشبوهة مع الوعي خاصة. أعود الى ذاك المرشح الى الانتحار : بقي يفكر لأيام عدة بطريقة الانتحار التي تضمن له الحد الأدنى من العذاب الجسمي قبل كل شيء. اعترف أيضا بأنه استبدل الانتحار باستمناء شبه يومي. لا أعرف هل أذهب الى طبيبي المقل في الكلام، عيناه الخضروان توحيان بالثقة، وأبحث عن نصيحة بخصوص الحكّة اللحوحة في عيني اليسرى. هكذا جاء الدور للعين بعد الشرج. سيكتب لي وصفة ماء البوريك. ربما دواء آخر، فطبنا يحقق التقدم في كل يوم. أنجيلينا جولي التي يفزعها السرطان قطعت ثدييها من باب الاحتراز. ليس منذ اليوم ترقد في الرأس فكرة السكر ليل نهار. لكن ... أنا جبان ويجتاحني الهلع اذا انطرحت خارج البيت. مرة ارتطم رأسي بعمود الضوء في الشارع . بقيت هناك ، ربما ساعة. ورم في الجبين بقي أسبوعين. في البيت السكر يكون مجازفة ، فهناك الكثير من الأشياء اللعينة التي قد أرتطم بها. خوّاف، خوّاف. هكذا كانت هند تناديني، هي أختنا الصغرى. ولكم كانت خبيثة منذ عمر الثالثة. شرسة مثل زنبور مخبول. فشلت كل محاولاتي في أن أكون محبّا للطبيعة والمجتمع والله. كانت النتيجة صفرا. لا أعرف أين الخلل في داخلي المنخور الذي قال الطبيب بعينيه ، وليس بفمه الصغير، أقصد شفتيه شبه الشهوانيتين التي لا أعرف لم تذكرني بتلك الشهوة المقموعة لدى الرهبان، الراهبات خاصة: عاهاتك لا يرجى لها الشفاء. كففت عن مراجعته. اكتفيت بما بقي فيّ بلا عاهات. قبل سبع وخمسين سنة بالضبط - لا أعرف كيف جاءت هذه ال(بالضبط) ، هكذا هي الذاكرة - فيها ألف علبة للحواة، أفتح واحدة وهاهي تقفز منها دمية لمهرج السيرك ربطت مؤخرتها بنابض، أو يقفز شيطان يستر شرّه بابتسامة فشل في مسح خبثها - كنت آخر تماما: وظيفة مريحة وراتب محترم، بضعة أصدقاء، والدان محبتهما لي بلا حدود، خطيبة جميلة ومهذبة ومتعلمة وهادئة ولم تمل الا قليلا الى القيل والقال، مكتبة تغتني في كل شهر والى آخره والى آخره. حياة كأن أحد الأنبياء أو ملائكته فصلّها على مقاسي. وماذا حصل؟ صرت كالسائر في نومه ، لا يعرف الوجهة بل يجهل بأنه سائر وليس راقدا في الفراش. باختصار: بدا لي أن ملايينا من السنين التي قطعها الانسان في مسيرته الأرتقائية قد استيقظت فيّ. صرت أخاف من الانسان والحيوان وأشياء كثيرة من العالم الخارجي. خفت، ولا أزال، من الوعي بأني مجرد خطوة متعثرة بالغة الصغر في تلك المسيرة. كان تراجعي عن حياتي تلك على درجات. فسخت الخطبة أولا ثم أبدلت الأصدقاء بآخرين، كما حل الجفاء بيني والأم والأب. المكتبة بعتها بربع ثمنها. فحاجتي الى النقود صارت شبه يومية. أصدقائي الجدد رائعون لكن هناك ثمنا لرفقتهم. البارحة بقيت في البيت ولا أعرف كيف حاصرتني فكرة الموت. نفضت رأسي بقوة وصرخت بلا صوت: أنت! لست لا كلكامش ولا ملكا لأوروك ، وليس لديك صديقا مثل صديقه . أطرد ، وبقوة مضاعفة ، هذا الهاجس المخبول، هاجس أن تكون خالدا. لست لا مردوخ ولا عشتار. وماذا حصلت من زيارة أوت نابيشتيما الذي سمحت له الآلهة بالنجاة من الطوفان وجعلوه وامرأته ، لكن من باب الاستثناء، خالدين. لكن هذا الرجل كان أرحم بكلكامش من الآلهة: باح له بسر عظيم - سر الخلود. أن يبحث عن نبتته في قعر البحر. بحث وعثر لكنه اضاع النبتة. قبل كل شيء ستكون سعيدا لو كسبت الخلود؟ وكيف سيكون هذا الخلود؟ وهل تعرف بأن هناك نوعين من هذا الخلود ؟ الأول هو اللا اصلاح. ولماذا يموت البشر أسوة ببقية الأحياء تقريبا ؟ (كل ما أقوله الآن عن الموت سأعيده على ذلك الشاعر "الغلبان") لأنهم أستهلكوا أجسامهم. الطب المتفائل دائما لن ينقذهم خاصة أن الانسان كجنس حي سيكون أمامه من مليون الى بضع عشرات الآلاف من السنين ، وربما سيتقن الطب الصنعة ويوفر كل الأجزاء الاحتياطية. حينها ستأتي (النهاية السعيدة) على الطريقة الهوليوودية ! طيّب ، النوع الثاني يعني مشكلة أكبر: ها اننا دخلنا ورشة التصليحات الطبية وخرجنا أحياء الى أمد مجهول، لكن هذا لا يعني بأننا سوف لن نعرف الموت الذي يأتي به حادث فيزيقي في البيت أو الطريق أو العمل، أو قد يحترق الصاروخ الذي ينقلنا الى كوكب آخر، وقد يرتطم بالأرض نجم مجاور.كذلك دعونا لا ننسى أن التصليحات الجسمية المستمرة تغيّر تماما عالم النفس. لا تنسوا أيضا أن أخطار هذا الكون أكثر من كثيرة ، اذن لنفكر طويلا ونترك هوس الخلود ! ذلك النوع الأول سيكون انجازا عظيما للعلم ، فهو شيء جيد أن نعيش أطول. في الحقيقة سننافس حينها الكثير من الأشياء غير الحيّة بدءا برقاص الساعة وانتهاءا بطاحونة الهواء! وأيّ ستكون المعجزات التي يحققها العلم فلابد من الاعتراف بحقيقة أن لكل شيء في الطبيعة نهاية. الموت محتوم بل هو ضرورة، والمشكلة هي هل نعرف معناه. مرة أعجبت بتعريف سينيكا الابن: ليس الموت سوء بل هو قانون ملزم لكل الجنس البشري...
وكما توقعت كان رد فعل الشاعر على ما قلته أعلاه يفضح أقصى الانفعال بل بدا كأن الرجل سيطر عليه شده دراويشي. أشعل سيجارة بيد مرتجفة وكرع ما تبقى من الكحول في كأسه. استنشق عميقا قبل أن يقول :
- صديقي الكاتب الغلبان - هكذا نعتني أيضا في أثناء سكرة الأسبوع الماضي ! - ، كل هذه الفلسفة هي في الجوهر تأمل في الموت (قالها بالانجليزية contemplation of death واللاتينية meditatio mortis) ، والموت نفسه وفق شوبنهاور هو الربّة الحورية للفلاسفة ووحيهم. انه المحور الذي تدور حوله الأديان والعقائد، واذا لم يكن في أحداها موضوع الموت تكون منقوصة ولا تقنع أغبى الأغبياء. أخبرتك عن تجاربي الفاشلة بشأن الدخول في نفق الموت. انه الفضول قبل كل شيء ، أما دافعه فهو الوعي برخص الحياة التي أعطيت أيضا للحشرات والدواب والبكتيريا. رغم فشلي في مواجهة مباشرة مع الموت فأنا على يقين تام بأنه قريب مني تماما كما كان ناس القرون الوسطى يعيشون بالقرب منه راضخين له بكل تواضع. كانوا يسخرون من أولئك الذين بلغوا الخمسين من العمر وما زالوا متعلقين بالحياة بل اعتبروهم مجانينا. أما أنا فغريب أمري: أعشق الموت لكني باق معكم. وقد لا نكون نحن الأثنين على عجلة. هناك كاتب مجري كان أكثر جراة مني بكثير جدا: أطلق رصاصة على رأسه في عمر التاسعة والثمانين. قال: (أنا بانتظار النداء. لا أستعجل ولا أتباطأ. حان الوقت). فضّل أن يموت وفق شروطه وفي وقت حدده. في الحقيقة أنا فعلت الشيء نفسه أي أردت فرض شروطي : أخترت الوسيلة وحددت الموعد أيضا. وكما قلت لم يقدم الموت بسبب فضولي فيما يخص الحياة. يكفي هنا القول بأني لم أعرف جيدا البوذية ولا عقائد الهنود الحمر القديمة. عدا ذلك فالموت ليس حدثا ، ولايمكن التعرف عليه ولا المعاناة منه ولا المرور بتجربته ثم العودة الى ماكان قبلها. هذا تكرار لما قاله أبيقور: طالما أحيا لا موت هناك، وهو لا يخصني اذا رحلت. المريض بالسرطان الذي يمهله بضعة أشهر لا يعرف الموت بعد طالما أنه حيّ. أي على العكس مما يحدث في أثناء متفجرات بغداد تنفجر القنبلة الموقوتة ومعها تتحول الحياة الى شظايا ، بعبارة أخرى: الضحية لم تلتق بالموت الذي تأخر ثانية او أكثر بقليل.هكذا اذن تكون هي معضلة فسيولوجية - فلسفية قبل كل شيء. خاطبني أحد الكتاب عبر النت: مع التقدم في العمر تبدأ بالظهور بينك والواقع المحيط بك مادة عازلة تبصر وتسمع بسببها بصورة أسوا ، لكن تحسسك هوالأكثر سوء. في البدء تكون هذه المادة ضبابا رقيقا شفافا لكن مع مرور الزمن يتكثف الضباب متحولا الى ستارة ثقيلة لا تبصر ولا تسمع بسببها. بالطبع هذا مجاز، فأنت لا تزال تبصر وتسمع بمعونة النظارة والسماعة لكن الأسباب هنا نفسية. فنحن عاجزون عن استلام كل اشارات العالم المحيط بنا. خذ مثلا الضجيج الاعلامي الذي يمنع مثل هذا المتقدم في العمر من أن يمسك بمصفاة تسمح بمرور ما هو مهم. مؤخرا دونت أقوالا للودفيغ فيتغنشتاين. أرغب أن تسمعها : (العالم هو عالمي الخاص بي)، (الموت ليس حدثا في... الحياة) ، (الأبدية لا أفهمها كزمن منته بل لا زمنية ، فمن يحيا الى الأبد هو من يحيا الحاضر ). ( حياتنا مثل مدى الرؤية . هي بلا حدود) ، (حين يحل الموت لا يتغير العالم بل ينتهي) ، (الفزع من الموت خير علامة على ما يسمى بالحياة السيئة الزائفة). هناك أمور في الحياة ينبغي التحكم بها والتخطيط لها. لا أنكر بأن الموت سر غامض ، وما يقلقني أنه حين يقدم أعجز عن أخبار الآخرين كيف هو هذا السرّ. آنذاك تنقطع الصلات كلها فجأة وبلا عودة. هكذا يبقى السرّ سرّا. فكرت مرة: ماذا لو قدرنا على تسجيل الوعي والاحاسيس والذاكرة على أقراص حاسوبية ؟ ...
صرت ألتقي ب( الغلبان) أكثر من مرتين في الأسبوع. أكتشفت بأنه لا يعاني من أيّ عقد نفسية يسترها بمشروع الانتحار الدائمي. رفقته تنتشلني وليس قليلا من خندقي الذي أقدر على أن أسّميه بتابوتي الحياتي. رغم عصابه هو رجل أمين ومخلص وصادق، والّا من يعترف بأنه لجأ الى الاستمناء بعد فشله في الانتحار. وهكذا لا أنقاذ للانسان الا بعد رضوخه لحقيقة أنه حشرة ميكروسكوبية في هذا الكون. هناك حشرات بشرية تتضخم وتستغل بقاء الحشرات البشرية الأخرى على حجمها الطبيعي. تدعسها وتسحقها وتمص عصيرها وتلقي الجثث في حفر مهجورة. وفي لقائنا الأخير تكلمناعن تعاريف الطب للموت. بالفعل هناك تعاريف كثيرة ، فالعلماء لم يتفقوا على واحد. لكن المؤكد هنا أننا لن نموت بالكامل في الوقت نفسه. اليوم تموت خلاياي هنا وهناك، تلقى أجهزة مني الموت أو قد يموت جذع المخ و حينها أنتقل الى عالم النبات. كل حالاتي هذه تتداخل لكن لا أزال حيّا رغم أني لا أستحق التعريف الكامل للموت والذي أخذ به الطب الذي يقتطع أجزاء مني أنا الميت و يزرعها في جسم حي آخر. بهذه الصورة يكتب لي الخلود لكن الى أمد معيّن أي لغاية ممات الذي زرعت فيه أعضائي...
تكلمت مع (الغلبان) طويلا عن الوعي الذي لست وحدي لا أعرف الحدود بينه والآخر اللاوعي. قلت أن الطب يستخدم ما يسمى مقياس غلاسغو للغيبوبة Glasgow Coma Scale لتقدير حالة الوعي. طالما أنني حي ولم أفقد وعيي أملك في المقياس 25 نقطة، وحين أصير جثة ميتة لا أزال أملك ثلاث نقاط ، أي أن للمقياس تعريفه الخاص للموت.الأمر شبيه هنا بقطة شرويدنغير Schrödinger's cat التي كانت بعد التجربة حيّة وميتة معا. وهكذا لا يحل الموت الختامي الا بعد موت المخ، وحتى هنا تلتصق الحياة به مثل ذبابة لحوح ! فقشرته تموت أولا بسبب انعدام الأوكسجين، لكني لا زلت أحيا مثل النبات ، ثم يأتي دور الجذع كي يطوي الصفحة الاخيرة ، لكن ليس فورا. فالمخ يقاوم مصيره بضراوة ومكر، ويحول دون رسم الحدود النهائية بين الحياة والموت. بعبارة أخرى لا يجيب الطب بالصورة الواضحة متى يكون الانسان ميتا حقا، ومتى تحل لحظة الانتقال من الحياة الى الموت الفعلي. في الحقيقة الموت لا يفزعنا بل شكله...
قاطعني (الغلبان ):
- أرغب أن أنبهك بأن في الفزع هذا ثنائية: من ناحية قد نخشى الظروف الموضوعية التي يقدم فيها موتنا، ومن أخرى نخشى الموقف الذي علينا اتخاذه حينها. فيتغنشتاين كتب أيضا: لأمت ميتة طيبة وفي اتحاد مع النفس لوقدر لحياتي أن تنتهي الآن. لاتنس بأن هناك نوعا آخر من الخوف- الخوف مما سيعقب الموت. في محاولتي الانتحارية الأولى فكرت بأن حياتي لاتزال قصيرة وأن قدوم الموت هو مبكر. خوف غرزي يكمن فينا وهو الخوف من العدم الذي نعجز عن تصوره. لكن هناك من يعرف الجواب ، بالطبع جواب معيّن: حينها سأفعل الشيء نفسه والذي كان قبل ولادتي. أظنه جواب واضح ومعقول. فملياردات السنين انقضت ولم نكن نحن، وستنقضي دهور تالية وسوف لن نكون فيها.اذن حياتنا مثل ومضة ضوء من نيزك في سماء الليل. وتبقى المواجهة بسبب جهلنا بكنه الموت. ربما ليس هو بالسيء كما لا نقدر على انكار بانه قد يكون شيئا طيبا ! سقراط كان يعلم بأن الموت قد يكون أحد شيئين: اما تدمير شامل أو أنتقال الى شكل آخر للحياة. كاتبي (الغلبان)! سبق أن تكلمت، وأظن طويلا، عن الانتحار. لكن اثناءها عرفت عنه أكثر. قبل كل شيء ينسى الكل أن المنتحر قرر حسم مصيره بنفسه متجاهلا الدين والمجتمع والدولة. الشنتوية لا تحرم الانتحار الذي تسميه (الخروج النهائي): (الموت ينهي كل شيء، وضحية الانتحار تصبح ربا حرّا لا يطاله أيّ نقد). أوه ، كما يبدو أنا قادر على الكلام عن الانتحار ورفيقه الموت حتى العياء. ولي كثير من الحق ، فالانتحار، كما قيل، هو أهم معضلة فلسفية لكن البير كامي أبصره من منظور الوجود البشري لا غير - الوجود الفردي والاجتماعي على السواء. انتحار الفرد يكون هكذا مجرد انقياد لعبث العالم ، وخطره في أنه يصبح نموذجا للآخرين. بعد الانتحار لا يفنى العالم، لا يحصل تدمير أيّ شيء. انه مجرد احتجاج صغير. رفض لوجود تال مما يعني اتهام العالم بالعبث. برأيي أن أندريه مالرو كان مصيبا الى درجة أكبر حين قال ان المنتحر يطارد صورته التي خلقها، ولذا نحن نقتل النفس كي نوجد. قد تعترض على مالرو وكامي كليهما، فهناك تعارض بين تدمير النفس والعالم في آن واحد. ومن يعلم، فالمنتحر قد يدمر شكلا معيّنا للوجود لا غير. سمعت بفنان أنتحر وترك رسالة الى عشيقته: (فكّري كم من الفظائع سأتجنبها اذا غادرت هذا العالم في وقتها. سيكون هذا الفعل الحكيم الوحيد).
ليس كأنتهازي اقتربت من الفلسفة الهندية التي تؤمن بالانبعاث مما يعني أن الموت قد أستثني. فنحن نرحل وننبعث. وموتنا بداية حياة جديدة. اذن نولد ونموت وننبعث ثم نموت وننبعث الى ما لانهاية. شيء جميل ! أعترف بأني كنت أفضل ، وقبل التفكير بالانتحار، الحياة في الحاضر كحياة أبدية لامكان للموت فيها. لكني أدركت أنه محض خداع للنفس. فالحاضر لا يعني سوى عقد هدنة محددة مع الموت. أختم كلامي باعتراف صغير لبرتراند رسل : أنا مؤمن بأني حين أموت أتفسخ ولا يبقى من أناي أيّ شيء. لست بالشاب وأعشق الحياة لكن لاعتبرت بأني أستحق الاحتقار لو ارتجفت خوفا من التفكير باللاوجود.
هكذا كان صديقي الشاعر (الغلبان)، فقد تعلم اللاخوف، ولا أقول الشجاعة، فهذه كلمة فضفاضة للغاية. أقول كان ولأني لا أعرف مصيره: هل ترك المدينة والبلاد، وأنتحر في مكان ما أم فضّل مجهولية تامة في رقعة ما من هذه الأرض التي سبق أن تكلمنا، نحن الاثنين، عنها طويلا وأتفقنا بأنها مجرد جماد جميل أحيانا لكنه قاس ومبهم. ولربما يتعايش فيه الاثنان: رب فضّل البقاء خارج الخير والشر، وشيطان أشعل له الرب، خفية، الضوء الأخضر. فأثناء ما تبقى لي من سنوات، وهي معدودات ، سأبحث عن شبيه بالغلبان كي نتحدث عن الموت خاصة، فحرام اضاعة الوقت في الكلام عن مواضيع اخرى تكفل الجميع ، تقريبا، بالتكرس لها.

قناتنا على التلغرام : https://t.me/kitabat


عدنان المبارك

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2013/09/07



كتابة تعليق لموضوع : انتحار مؤجل
الإسم * :
بريدك الالكتروني :
نص التعليق * :
 



حمل تطبيق (كتابات في الميزان) من Google Play



اعلان هام من قبل موقع كتابات في الميزان

البحث :





الكتّاب :

الملفات :

مقالات مهمة :



 إنسانية الإمام السيستاني

 بعد إحراجهم بكشف عصيانها وخيانتهم للشعب: المرجعية الدينية العليا تـُحرج الحكومة بمخالفة كلام المعصومين.. والعاصفة تقترب!!!

 كلام موجه الى العقلاء من ابناء شعبي ( 1 )

 حقيقة الادعياء .. متمرجعون وسفراء

 قراءة في خطبة المرجعية : هل اقترب أَجلُ الحكومةِ الحالية؟!

 خطر البترية على بعض اتباع المرجعية قراءة في تاثيرات الادعياء على اتباع العلماء

 إلى دعاة المرجعية العربية العراقية ..مع كل الاحترام

 مهزلة بيان الصرخي حول سوريا

 قراءة في خطبة الجمعة ( 4 / رمضان/ 1437هـ الموافق 10/6/2016 )

 المؤسسة الدينية بين الواقع والافتراء : سلسلة مقالات للشيخ محمد مهدي الاصفي ردا على حسن الكشميري وكتابيه (جولة في دهاليز مظلمة) و(محنة الهروب من الواقع)

 الى الحميداوي ( لانتوقع منكم غير الفتنة )

 السيستاني .. رسالة مهدوية عاجلة

 من عطاء المرجعية العليا

 قراءة في فتوى الدفاع المقدس وتحصين فكر الأمة

 فتوى السيد السيستاني بالجهاد الكفائي وصداها في الصحافة العالمية

 ما هو رأي أستاذ فقهاء النجف وقم المشرّفتَين السيد الخوئي بمن غصب الخلافة ؟

 مواقف شديدة الحساسية/٢ "بانوراما" الحشد..

أحدث مقالات الكتّاب :





 لنشر مقالاتكم يمكنكم مراسلتنا على info@kitabat.info

تم تأسيس الموقع بتاريخ 1/4/2010 © محمد البغدادي 

 لا تتحمل الإدارة مسؤولية ما ينشر في الموقع من الناحيتين القانونية والأخلاقية.

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net