سفينة نوح الجزء الثالث . الطوفان في الآثار.
إيزابيل بنيامين ماما اشوري
المقالات لا تُعبر عن وجهة نظر الموقع، وإنما تعبر عن رأي الكاتب.
إيزابيل بنيامين ماما اشوري

التاريخ القديم بحقائقه وأساطيره ومبالغاته وتفصيلاته وأخباره المتضاربة ، ماذا يقدم لنا هذا التاريخ حول هذه الواقعة ؟
في مجال التنقيبات الأثرية قدمت لنا المزيد من أخبار الأمم البائدة، وحددت بالضبط اماكن كثيرة لأمم شملها العذاب وبقيت آثارها ماثلة للعيان . فقدمت لنا هذه التنقيبات أخبارا مثيرة غابت عنا آلاف السنين واكتشفت عددا من الحضارات القديمة البائدة التي لم يكن يعرفها احد إلا عن طريق الكتب المقدسة فاكتشفت مدنا ، بيوتا ، معابد ، أدوات متنوعة ، كتابات أدبية، علمية ، واقعية واسطورية وأشياء أخرى.
ومن بين هذا المكتشفات قائمة الملوك السومرية، وتعد هذه القائمة من الوثائق التاريخية الشهيرة التي أوردت الطوفان. وتتضمن هذه القائمة أسماء الملوك في وادي الرافدين منذ أقدم الازمان وحتى نهاية سلالة (ايسن) ، ويذكر مؤلف قائمة الملوك السومرية في البداية أنه عندما اُنزلت الملوكية من السماء كانت أولا في (اريدو) (1) وفيها اصبح اكوليم ملكا، ثم حكم الكار ثم يحصي عدد ملوك هذه السلالة وسنوات حكمها ، ثم يقول المؤلف : (( ثم اكتسح الطوفان البلاد وبعد أن اكتسح الطوفان البلاد نزلت الملوكية ثانية في مدينة كيش)).
من ذلك نفهم أن حادث الطوفان من الوقائع المهمة التي اعارتها الامم اهمية بارزة حيث صنفوا سلالاتهم إلى سلالات حكمت قبل الطوفان وأخرى بعده .
ظهر علم الآثار في القرنين الأخيرين وتطور ، واكتشف آثار وأخبار كثيرة مهمة عن الماضي، فتوافر امام الباحثين والمؤرخين دليل أثري على وقوع طوفان كبير في الأرض. وخمن بعض الآثاريين أن الطوفان ابتدأ من أرض الرافدين وذلك لوجود اقدم نص يذكره في هذا المنطقة فبدأ بحثه في مدينة سومر وأحد هؤلاء الأثريين هو العالم الأثري (السير ليونارد وولي) الذي قدم معلومات جدا نافعة تؤيد ما ذهب إليه من أن غرق العالم كله بدا من العراق واعتقد اعتقادا جازما أنه وجد مكان الطوفان الذي ذكرته التوراة.
لقد وجد هذا العالم الذي نقب في (أور السومرية) طبقة من صلصال خلّفها ماء منحسر ، وأرجعها إلى ما قبل (4000) سنة، وقال عنها في كتابه ( أور الكلدان ) : (( أن هذه الطبقة هي آثار الطوفان )) (2)
لقد نقب (ليونارد وولي) في أور ، وفي ضمن المنطقة المسماة بـ ((المقبرة الملكية)) والتي تعود بزمنها إلى فجر السلالات ، وبعد أن نفذ إلى مستويات سكنية عديدة بلغ طبقة من ترسبات صلصالية نقية خلّفتها المياه تحت ضغط هائل ، ثخن هذه الطبقة تسعة امتار، ولا تضم اي شيء كانت طبقة خالية من أي آثار. كان تحت هذه الطبقة بقايا خزف وآثار تدل على وجود حضارة ، وفوقها ايضا بقايا آثار تدل على وجود حضارة مثل كسارات الخزف والتماثيل والاختام والألواح وتحت كل هذه الطبقات الثلاث كانت التربة البكر . لقد ذهب وولي إلى أن طبقة الترسبات الطينية التي ثخنها تسعة أمتار لابد ان تكون مخلفات طوفان علوّ غير معلوم ولكنه ضغط هائل وعملية جرف للتربة بشكل مذهل . وخلص من ذلك كله : إلى حدوث طوفان لا نظير له، فعدّ دلائل الطوفان التي حدثت في وادي الرافدين هي القصة التي ذكرتها التوراة.
قصة الطوفان من أنباء الغيب التي ذكرت جانبا منها مدونات الشعوب القديمة وكلٌ ذكرها حسب مكانه بعضهم تصور أن الطوفان شامل كامل عام على جميع الأرض ، وبعضهم تصور أن الطوفان حدث في منطقته ولكن اجماعهم على حدوثه يعطيه صفة العالمية .
واما بالنسبة للاسلام فإن هذا الحدث بالنسبة لمحمد فإنه من أنباء الغيب : ((تلك من أنباء الغيب نُوحيها اليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا)) (3)
من هذا الغيب الموحى به في الكتب المقدسة وما ذكرته مدونات الامم الغابرة لا بد من القول : إنّ طوفانا حقيقيا عظيما ، حدث على الأرض في يوم من الأيام ، وفي عمق التاريخ؛ وهذا الطوفان تميز عن طوفانات أخرى كثيرة ودليلنا على ضخامته وشموليته تسجيل الحضارات والأمم المختلفة له.
انتهت الحلقة الثالثة ويليها الحلقة الرابعة وهي بعنوان . ((سر الألواح والمسامير الخالدة)).
المصادر ـــــــــــــــــ
1- اريدو مدينة سومرية في جنوب العراق ، تبعد تقريبا (15) ميلا عن مدينة أور.
2- الطوفان ، فؤاد جميل ، مجلة سومر : 3 ، المجلد 28.
3- سورة هود . آية: 49 .
قناتنا على التلغرام : https://t.me/kitabat