انتظرا طويلا , حتى لمحا قاربا يقترب من الشاطيء , فأسرعا نحوها , فاذا بسندال وتليفه وابنتهما نجود , لم يصدق سندال ما رأت عيناه , فأسرع نحو الوزير حواس , والتقيا بعناق دام طويلا , تفجرت فيه عيناهما بالدموع , ورحبت تليفه بالصديق القديم حواس , فوقع نظر الوزير حواس على الفتاة , فقدمها سندال له , لم تكن تعرفه , لكنها لاحظت حرارة ترحيب اباها وامها به , فصافحته ورحبت به بحرارة ايضا .
جلس الجميع داخل الكوخ , وقدمت تليفه الشراب لهم , شرع الوزير حواس بقص القصص عليهم , ,اخبره عن كل ما حدث وجرى عليه , فقال سندال :
- اذا أبقيا معنا ... على الرحب والسعة ! .
لكن الوزير حواس كان له رأي اخر :
- لم أت الى هنا للاقامة ! .
- بماذا تفكر ايها السياسي اللامع ! .
- افكر ان نقوم بثورة ضد الملك سبهان ... ونخلص شعبنا من براثنه ! .
- لقد تركنا السلاح منذ عشرون سنة ! .
فتحت تليفه صندوقا كبيرا , وأخرجت منه عدة سيوف , وضعت احدها على الطاولة , امام زوجها سندال , وناولت اخر لابنتها نجود , واحتفظت بواحد لنفسها , فقد كانت من محاربي السرية , وقالت :
- الى ثورة ... نخلص شعبنا من هذا الظلم والاجحاف ! .
أعترض الوزير حواس عليها وقال :
- ليس هكذا ... بل يجب ان نفكر اولا ... ونضع خطة ! .
تناول سندال سيفه , قلبه , وقال :
- اولا يجب ان نجمع سرية المحاربين القدامى ... سرية محاربي الذئب الابيض ! .
كان لكلماته وقع شديد على اذان زوجته تليفه والوزير حواس , الذي اعتصر بمرارة وقال :
- لم يبق منهم الا ثلاثون محاربا ... عشرة منهم في جيش الملك سبهان ... والبقية تفرقوا في الاصقاع والامصار ! .
- الان نحن ثلاثة منهم فقط ... وأبنتي محاربة جيدة ! .
- نجود ! ...
- نعم نجود ... لقد دربناها على استعمال كافة اسلحة الحرب ... وهي بارعة في صيد التماسيح واسماك القرش .
- ان استطاعت ان تقتل قرشا او تمساحا ... بالتأكيد يمكنها ان تقتل جنود الملك سبهان ! .
- أذا فلنرسل في طلبهم ! .
- سنرسل كشمر الى الابعد ... ونرسل نجود الى الاقرب منهم ! ... اما انا وانت وتليفه فلا يمكننا مغادرة هذا المكان ! .
سلم الوزير حواس كتبا عدة لكشمر , وأرشده الى الاماكن المطلوبة , حيث فرسان سرية محاربي الذئب الابيض , وكذلك فعل مع نجود , فأمتطى كلا منهما جوادا , وأنطلقا , وحثهما على ان ينجزا مهامهما بأسرع ما يمكنهما , وان يكونا حذرين ! .
**************************************
كان الملك سبهان منغمسا في الاكل والشرب بضيافة الملك عنيجر , حين همس احد الضباط في أذنه :
- سيدي ... ان الوزير حواس قتل الحراس وهرب ! .
لم يبال بالامر , لكن ضابطا اخر حثه على خطورة القضية , فقال الملك سبهان :
- ما يمكنه فعله ؟ ! .
- ان يقوم بثورة ضدكم سيدي ! .
ضحك الملك سبهان بصوت مرتفع , تردد صداه في القاعة الكبيرة , فألتفت اليه جميع الحضور , وعمّ السكون , فقال مستهزئا :
- ثورة ! ... يثور بهؤلاء الجياع ... يثور بثلة من هياكل عظمية خاوية ! .
أرتفعت قهقهات الحاضرين , وأطرب لسماعها .
**********************************
بعد مرور سبعة ايام , عادت نجود وبصحبتها خمسة فرسان , وفي اليوم التالي عاد كشمر بصحبة احد عشرة فارسا , تبادلوا الترحاب والعناق , الابتسامات وحتى الدموع , فجلسوا غير مدركين على الارض , يسخر بعضهم من بعض , سخرية مزاح :
- لقد اصبحت كهلا عديم النفع ! هههههههه .
- عشرون سنة غيرتك كثيرا ! .
- لقد صبغ شعرك المشيب باللون الابيض ! .
أنتهز الوزير حواس هذه الفرصة , وخطب فيهم , شارحا لهم الموقف , نهض احدهم ضاحكا وقال :
- سنعود للحرب ... من اجل شعبنا ! .
نهض الجميع , وهتفوا بالايجاب , فقالت تليفه :
- عددنا اصبح تسعة عشر محاربا من محاربي ذلك الزمان ... وهذا العدد غير كاف ! .
فقال الوزير حواس :
- لقد انتهينا من الخطوة الاولى ... الان يجب ان نفكر في الخطوة التالية .
أنبرى احد المحاربي ليقول :
- وماذا عن قائد السرية ... لقد سمعت انه لا يزال على قيد الحياة ! .
وجم الجميع , وغابت عن وجوههم البسمة , وظهرت عليها علامات التعجب والذهول , ونظر كلا منهم في وجه الاخر , فقال الوزير حواس بعد ان تمالك نفسه , واستجمع قواه :
- أووووه الذئب الابيض ... نعم انه لا يزال على قيد الحياة ... انه يعيش في وادي بعيد جدا من هنا , لم يفلح احد بالوصول اليه .
- لقد سمي الوادي على اسمه ( وادي الذئب الابيض ) ! .
- على كل حال ... لقد اعتزل واحتجب عن الناس ... اما الذهاب اليه واقناعه باللحوق بنا سيستغرق الكثير من الوقت .. يجب الان ان نقنع الناس بالالتحاق بنا .
- كيف نقنعهم بذلك وهم على هذه الحالة من الجوع والمرض ! .
اشار سندال الى البحر , وقال :
- هناك المزيد من الطعام ! .
- لقد صودرت جميع قوارب الصيد التي كانت بحوزة الصيادين ... لعدم مقدرتهم على دفع الضرائب ... فهجروا الصيد .
- وما الحل اذا ؟ .
- سنهاجم القوافل التي تجلب الطعام والشراب من الممالك المجاورة الى القلعة ! .
************************************
هناك طريقان , لا يمكن للقوافل سلوك غيرهما , لوعورة المكان , وكثافة الغابات , احدهما يربط المملكة بمملكة عنيجر , والاخر يربطها بمملكة سنافي , كان الوزير حواس على اطلاع بمواعيد وورود القوافل بحكم منصبه , فكمن هو ورفاقه لقافلة قادمة من مملكة سنافي لقرب ورودها حسب الموعد الذي يعلمه , فأنقضوا عليها أنقضاض الليوث على الفريسة , قتلوا حراسها , واخلوا سبيل من كان فيها من العبيد , واستولوا على الخيول والعربات وما حملت , واقتادوها الى كوخ سندال .
لم يمر وقتا طويلا , حتى كمنوا لقافلة قادمة من مملكة عنيجر , فقتلوا من كان فيها من جيش الملك عنيجر , واطلقوا سراح العبيد , واقتادوا ما استولوا عليه من الخيول والعربات المحملة بالبضائع الى كوخ سندال , الذي اصبح مقرا لانطلاقهم .
وزعوا الحمولة على الناس , فأكلوا حتى الشبع , وشاع الخبر بينهم , وتناقلته الالسن بمزيد من الاضافات الاسطورية , فرحب الناس بعودة حماة الشعب , فرسان سرية محاربي الذئب الابيض , الذين كانوا يحضون بحب وعشق الجماهير لهم , فتمنى الكثير منهم الالتحاق بهم , والبحث عن مخبأهم السري .
********************************
وصل فارسا مثخنا بالجراح , لينحني امام الملك عنيجر , وقال :
- سيدي الملك ! .
- ماذا وراءك ؟ .
- لقد هوجمت القافلة ... وقتل جميع الجنود ... واستولوا على كل ما فيها ! .
أستشاط الملك عنيجر غضبا , فنهض من كرسيه , وصرخ قائلا :
- يا جبناء ... لم تتمكنوا من صد هجوم ثلة من اللصوص ! .
- سيدي الملك ... لم يكونوا لصوصا عاديين ... لقد كانوا يتمتعون بمهارات قتالية عالية ... كأنهم فرسانا من ذوي الخبرة ! .
- حمقى ! ... وكم كان عددهم ؟ .
- تسعة عشر مهاجما ! .
- تسعة عشر لصا ... يهزمون قوات النخبة ! .
أطرق الملك عنيجر الى الارض مفكرا , واردف :
- هل من علامات مميزة ... فنرسل للملك سبهان كي يقضي عليهم ؟ .
- كانوا يحملون راية فيها صورة ذئبا ابيض يمسك سيفا في كل يد ! .
حالما انهى الضابط كلامه , كأن صاعة نزلت على الملك عنيجر , فأرتمى على كرسيه الكبير , وسأله :
- هل كان معهم فارسا يضرب بسيفين ؟ .
- كلا سيدي ! .
أستغرق بالتفكير , يحدث نفسه :
- كان عددهم خمسون ... عشرون ماتوا ... الان عشرة منهم في جيش الملك سبهان ... واحدا منهم يسكن في وادي الذئب الابيض ... الباقي تسعة عشر ! .
نظر الى الوزير خنيفر , وقال له :
- انهم هم ! .
فقال الوزير خنيفر :
- ان كانوا هم فلابد وانهم قد شاخوا ووهنوا ... او ربما ان ثلة من اللصوص وقطاع الطرق رفعوا رايتهم وتزييوا بزيهم ! .
حدق الملك عنيجر في الضابط , وسأله :
- هل كان بينهم أمرأة ؟ .
- لست متأكدا ... لكني رأيت ان شعر احدهم كان طويلا ... يضرب بقوة ويصرخ بصوت انثوي ! .
فصرخ الملك عنيجر قائلا :
- انهم هم ... انها تليفه ! .
وضع الوزير خنيفر يده اليمنى على كتفه الايسر , فلاحظ الملك عنيجر ذلك وقال له بشيء من السخرية والاستهزاء :
- هي التي قطعت يدك اليسرى في احد تلك المعارك ... لكنها لم تجهز عليك ... لانك رميت سيفك وتوسلت بها كالاطفال ... هل لديك روح الانتقام ؟ ... ام بماذا تفكر ؟ ! .
ضحك الملك عنيجر بصوت عال , بينما جفل الوزير خنيفر في مكانه , فحاول استجماع قواه , وتمالك نفسه ليقول :
- كانت معركة ضارية ... لقد اذاقونا حر السيوف ... وسقونا كؤوس الهزائم ... ووضعونا في مواضع الذل والهوان ! .
- الان قد عادوا ... لقد كان الخطأ الاكبر اننا تركناهم يعيشون ... كان يجب القضاء عليهم جميعا ! .
- خمس سنوات من القتال المرير ... كاد من شأنها القضاء على مملكتنا ! .
اطلق الملك عنيجر زفرة عميقة جدا , وقال :
- كانت المعارك ضارية ... من جميع الاتجاهات على مملكة شكاحي ... الملك الطيب ... فعمد على تأسيس هذه السرية للدفاع عن مملكته ... وقد ابلوا بلاءا حسنا ... وكاد يقضي على الممالك الاخرى وارغامها للخضوع تحت حكمه مجددا ... بعد ان دب فيها العصيان ... ولولا اطماع الملك سبهان في الحكم لما قدر لنا البقاء في هذا العرش ! .
- أجرينا الكثير من الاتفاقيات مع الملك سبهان الذي كان يقود جيوش الملك شكاحي ... وعدناه بحكم المملكة من بعده ... فوافق ... وبدأ الجيش بالتمرد على شكاحي من داخل مملكته ... وداخل قلعته ... فقتله سبهان ... ليجلس هو على العرش ... تاركا جيوش المملكة تغرق في الدماء ... وقتلت زوجة الذئب الابيض زعيم سرية محاربي الذئب الابيض ... وتخلخلت السرية وبدأت بالانحلال اثر موت عشرون من افرادها غيلة وغدرا ... وبدأت بالتراجع بعد ان سمعوا خبر موت الملك شكاحي واعتلاء الملك سبهان العرش ... فوجدوا ان مدنهم قد تحولت الى ركام بعد ان التهمتها النيران ... لم يقو الذئب الابيض على ذلك ... فأخذ جثة زوجته وهرب بعد ان اثخنته الجراح ... وشارف على الموت ... ليستقر في وادي بعيد جدا ... سمي بأسمه ... تحصن فيه ... وحصنه بالكمائن ... فلم يستطع احد من الدخول الى ذلك الوادي ... فعاش هناك حزينا ... وحيدا ... اما باقي فرسان السرية ... فتفرقوا وتواروا عن الانظار في اماكن لم يعرف بها احد ... عدا الوزير حواس وعشرة من المحاربين ... قرروا الموافقة للخضوع والاعتراف بالملك سبهان ... بعد ان رفض الباقون ... فقد كان الوزير حواس يفكر في خدمة شعبه وتخليصه من هذه الاعباء ... فأنحنى امام الملك الجديد سبهان ! .
- اراك لا تزال تتذكر القصة جيدا ... ولم تؤثر الشيخوخة على ذاكرتك ! .
- يمكنني نسيان كل شيء ... الا قاطع يدي اليسرى ... لذلك اتذكر هذه الاحداث جيدا ! .
- تليفه ... فخر محاربي مملكة شكاحي ... اتفكر بالانتقام منها ؟ .
- ليس لدي القدرة لذلك ... لكني ارغب ان اراها اسيرة ... ذليلة ... لقد بحثت كثيرا عنها ... فلم اجدها ! .
- الا زلت تخشاها ... او تخشاهم ؟ .
- لقد اذلتني ! .
أقترح الوزير خنيفر عليه , ان يرسل رسولا للملك سبهان ليبلغه بما حدث , وليستطلع الامر ! .
قناتنا على التلغرام :
https://t.me/kitabat
انتظرا طويلا , حتى لمحا قاربا يقترب من الشاطيء , فأسرعا نحوها , فاذا بسندال وتليفه وابنتهما نجود , لم يصدق سندال ما رأت عيناه , فأسرع نحو الوزير حواس , والتقيا بعناق دام طويلا , تفجرت فيه عيناهما بالدموع , ورحبت تليفه بالصديق القديم حواس , فوقع نظر الوزير حواس على الفتاة , فقدمها سندال له , لم تكن تعرفه , لكنها لاحظت حرارة ترحيب اباها وامها به , فصافحته ورحبت به بحرارة ايضا .
جلس الجميع داخل الكوخ , وقدمت تليفه الشراب لهم , شرع الوزير حواس بقص القصص عليهم , ,اخبره عن كل ما حدث وجرى عليه , فقال سندال :
- اذا أبقيا معنا ... على الرحب والسعة ! .
لكن الوزير حواس كان له رأي اخر :
- لم أت الى هنا للاقامة ! .
- بماذا تفكر ايها السياسي اللامع ! .
- افكر ان نقوم بثورة ضد الملك سبهان ... ونخلص شعبنا من براثنه ! .
- لقد تركنا السلاح منذ عشرون سنة ! .
فتحت تليفه صندوقا كبيرا , وأخرجت منه عدة سيوف , وضعت احدها على الطاولة , امام زوجها سندال , وناولت اخر لابنتها نجود , واحتفظت بواحد لنفسها , فقد كانت من محاربي السرية , وقالت :
- الى ثورة ... نخلص شعبنا من هذا الظلم والاجحاف ! .
أعترض الوزير حواس عليها وقال :
- ليس هكذا ... بل يجب ان نفكر اولا ... ونضع خطة ! .
تناول سندال سيفه , قلبه , وقال :
- اولا يجب ان نجمع سرية المحاربين القدامى ... سرية محاربي الذئب الابيض ! .
كان لكلماته وقع شديد على اذان زوجته تليفه والوزير حواس , الذي اعتصر بمرارة وقال :
- لم يبق منهم الا ثلاثون محاربا ... عشرة منهم في جيش الملك سبهان ... والبقية تفرقوا في الاصقاع والامصار ! .
- الان نحن ثلاثة منهم فقط ... وأبنتي محاربة جيدة ! .
- نجود ! ...
- نعم نجود ... لقد دربناها على استعمال كافة اسلحة الحرب ... وهي بارعة في صيد التماسيح واسماك القرش .
- ان استطاعت ان تقتل قرشا او تمساحا ... بالتأكيد يمكنها ان تقتل جنود الملك سبهان ! .
- أذا فلنرسل في طلبهم ! .
- سنرسل كشمر الى الابعد ... ونرسل نجود الى الاقرب منهم ! ... اما انا وانت وتليفه فلا يمكننا مغادرة هذا المكان ! .
سلم الوزير حواس كتبا عدة لكشمر , وأرشده الى الاماكن المطلوبة , حيث فرسان سرية محاربي الذئب الابيض , وكذلك فعل مع نجود , فأمتطى كلا منهما جوادا , وأنطلقا , وحثهما على ان ينجزا مهامهما بأسرع ما يمكنهما , وان يكونا حذرين ! .
**************************************
كان الملك سبهان منغمسا في الاكل والشرب بضيافة الملك عنيجر , حين همس احد الضباط في أذنه :
- سيدي ... ان الوزير حواس قتل الحراس وهرب ! .
لم يبال بالامر , لكن ضابطا اخر حثه على خطورة القضية , فقال الملك سبهان :
- ما يمكنه فعله ؟ ! .
- ان يقوم بثورة ضدكم سيدي ! .
ضحك الملك سبهان بصوت مرتفع , تردد صداه في القاعة الكبيرة , فألتفت اليه جميع الحضور , وعمّ السكون , فقال مستهزئا :
- ثورة ! ... يثور بهؤلاء الجياع ... يثور بثلة من هياكل عظمية خاوية ! .
أرتفعت قهقهات الحاضرين , وأطرب لسماعها .
**********************************
بعد مرور سبعة ايام , عادت نجود وبصحبتها خمسة فرسان , وفي اليوم التالي عاد كشمر بصحبة احد عشرة فارسا , تبادلوا الترحاب والعناق , الابتسامات وحتى الدموع , فجلسوا غير مدركين على الارض , يسخر بعضهم من بعض , سخرية مزاح :
- لقد اصبحت كهلا عديم النفع ! هههههههه .
- عشرون سنة غيرتك كثيرا ! .
- لقد صبغ شعرك المشيب باللون الابيض ! .
أنتهز الوزير حواس هذه الفرصة , وخطب فيهم , شارحا لهم الموقف , نهض احدهم ضاحكا وقال :
- سنعود للحرب ... من اجل شعبنا ! .
نهض الجميع , وهتفوا بالايجاب , فقالت تليفه :
- عددنا اصبح تسعة عشر محاربا من محاربي ذلك الزمان ... وهذا العدد غير كاف ! .
فقال الوزير حواس :
- لقد انتهينا من الخطوة الاولى ... الان يجب ان نفكر في الخطوة التالية .
أنبرى احد المحاربي ليقول :
- وماذا عن قائد السرية ... لقد سمعت انه لا يزال على قيد الحياة ! .
وجم الجميع , وغابت عن وجوههم البسمة , وظهرت عليها علامات التعجب والذهول , ونظر كلا منهم في وجه الاخر , فقال الوزير حواس بعد ان تمالك نفسه , واستجمع قواه :
- أووووه الذئب الابيض ... نعم انه لا يزال على قيد الحياة ... انه يعيش في وادي بعيد جدا من هنا , لم يفلح احد بالوصول اليه .
- لقد سمي الوادي على اسمه ( وادي الذئب الابيض ) ! .
- على كل حال ... لقد اعتزل واحتجب عن الناس ... اما الذهاب اليه واقناعه باللحوق بنا سيستغرق الكثير من الوقت .. يجب الان ان نقنع الناس بالالتحاق بنا .
- كيف نقنعهم بذلك وهم على هذه الحالة من الجوع والمرض ! .
اشار سندال الى البحر , وقال :
- هناك المزيد من الطعام ! .
- لقد صودرت جميع قوارب الصيد التي كانت بحوزة الصيادين ... لعدم مقدرتهم على دفع الضرائب ... فهجروا الصيد .
- وما الحل اذا ؟ .
- سنهاجم القوافل التي تجلب الطعام والشراب من الممالك المجاورة الى القلعة ! .
************************************
هناك طريقان , لا يمكن للقوافل سلوك غيرهما , لوعورة المكان , وكثافة الغابات , احدهما يربط المملكة بمملكة عنيجر , والاخر يربطها بمملكة سنافي , كان الوزير حواس على اطلاع بمواعيد وورود القوافل بحكم منصبه , فكمن هو ورفاقه لقافلة قادمة من مملكة سنافي لقرب ورودها حسب الموعد الذي يعلمه , فأنقضوا عليها أنقضاض الليوث على الفريسة , قتلوا حراسها , واخلوا سبيل من كان فيها من العبيد , واستولوا على الخيول والعربات وما حملت , واقتادوها الى كوخ سندال .
لم يمر وقتا طويلا , حتى كمنوا لقافلة قادمة من مملكة عنيجر , فقتلوا من كان فيها من جيش الملك عنيجر , واطلقوا سراح العبيد , واقتادوا ما استولوا عليه من الخيول والعربات المحملة بالبضائع الى كوخ سندال , الذي اصبح مقرا لانطلاقهم .
وزعوا الحمولة على الناس , فأكلوا حتى الشبع , وشاع الخبر بينهم , وتناقلته الالسن بمزيد من الاضافات الاسطورية , فرحب الناس بعودة حماة الشعب , فرسان سرية محاربي الذئب الابيض , الذين كانوا يحضون بحب وعشق الجماهير لهم , فتمنى الكثير منهم الالتحاق بهم , والبحث عن مخبأهم السري .
********************************
وصل فارسا مثخنا بالجراح , لينحني امام الملك عنيجر , وقال :
- سيدي الملك ! .
- ماذا وراءك ؟ .
- لقد هوجمت القافلة ... وقتل جميع الجنود ... واستولوا على كل ما فيها ! .
أستشاط الملك عنيجر غضبا , فنهض من كرسيه , وصرخ قائلا :
- يا جبناء ... لم تتمكنوا من صد هجوم ثلة من اللصوص ! .
- سيدي الملك ... لم يكونوا لصوصا عاديين ... لقد كانوا يتمتعون بمهارات قتالية عالية ... كأنهم فرسانا من ذوي الخبرة ! .
- حمقى ! ... وكم كان عددهم ؟ .
- تسعة عشر مهاجما ! .
- تسعة عشر لصا ... يهزمون قوات النخبة ! .
أطرق الملك عنيجر الى الارض مفكرا , واردف :
- هل من علامات مميزة ... فنرسل للملك سبهان كي يقضي عليهم ؟ .
- كانوا يحملون راية فيها صورة ذئبا ابيض يمسك سيفا في كل يد ! .
حالما انهى الضابط كلامه , كأن صاعة نزلت على الملك عنيجر , فأرتمى على كرسيه الكبير , وسأله :
- هل كان معهم فارسا يضرب بسيفين ؟ .
- كلا سيدي ! .
أستغرق بالتفكير , يحدث نفسه :
- كان عددهم خمسون ... عشرون ماتوا ... الان عشرة منهم في جيش الملك سبهان ... واحدا منهم يسكن في وادي الذئب الابيض ... الباقي تسعة عشر ! .
نظر الى الوزير خنيفر , وقال له :
- انهم هم ! .
فقال الوزير خنيفر :
- ان كانوا هم فلابد وانهم قد شاخوا ووهنوا ... او ربما ان ثلة من اللصوص وقطاع الطرق رفعوا رايتهم وتزييوا بزيهم ! .
حدق الملك عنيجر في الضابط , وسأله :
- هل كان بينهم أمرأة ؟ .
- لست متأكدا ... لكني رأيت ان شعر احدهم كان طويلا ... يضرب بقوة ويصرخ بصوت انثوي ! .
فصرخ الملك عنيجر قائلا :
- انهم هم ... انها تليفه ! .
وضع الوزير خنيفر يده اليمنى على كتفه الايسر , فلاحظ الملك عنيجر ذلك وقال له بشيء من السخرية والاستهزاء :
- هي التي قطعت يدك اليسرى في احد تلك المعارك ... لكنها لم تجهز عليك ... لانك رميت سيفك وتوسلت بها كالاطفال ... هل لديك روح الانتقام ؟ ... ام بماذا تفكر ؟ ! .
ضحك الملك عنيجر بصوت عال , بينما جفل الوزير خنيفر في مكانه , فحاول استجماع قواه , وتمالك نفسه ليقول :
- كانت معركة ضارية ... لقد اذاقونا حر السيوف ... وسقونا كؤوس الهزائم ... ووضعونا في مواضع الذل والهوان ! .
- الان قد عادوا ... لقد كان الخطأ الاكبر اننا تركناهم يعيشون ... كان يجب القضاء عليهم جميعا ! .
- خمس سنوات من القتال المرير ... كاد من شأنها القضاء على مملكتنا ! .
اطلق الملك عنيجر زفرة عميقة جدا , وقال :
- كانت المعارك ضارية ... من جميع الاتجاهات على مملكة شكاحي ... الملك الطيب ... فعمد على تأسيس هذه السرية للدفاع عن مملكته ... وقد ابلوا بلاءا حسنا ... وكاد يقضي على الممالك الاخرى وارغامها للخضوع تحت حكمه مجددا ... بعد ان دب فيها العصيان ... ولولا اطماع الملك سبهان في الحكم لما قدر لنا البقاء في هذا العرش ! .
- أجرينا الكثير من الاتفاقيات مع الملك سبهان الذي كان يقود جيوش الملك شكاحي ... وعدناه بحكم المملكة من بعده ... فوافق ... وبدأ الجيش بالتمرد على شكاحي من داخل مملكته ... وداخل قلعته ... فقتله سبهان ... ليجلس هو على العرش ... تاركا جيوش المملكة تغرق في الدماء ... وقتلت زوجة الذئب الابيض زعيم سرية محاربي الذئب الابيض ... وتخلخلت السرية وبدأت بالانحلال اثر موت عشرون من افرادها غيلة وغدرا ... وبدأت بالتراجع بعد ان سمعوا خبر موت الملك شكاحي واعتلاء الملك سبهان العرش ... فوجدوا ان مدنهم قد تحولت الى ركام بعد ان التهمتها النيران ... لم يقو الذئب الابيض على ذلك ... فأخذ جثة زوجته وهرب بعد ان اثخنته الجراح ... وشارف على الموت ... ليستقر في وادي بعيد جدا ... سمي بأسمه ... تحصن فيه ... وحصنه بالكمائن ... فلم يستطع احد من الدخول الى ذلك الوادي ... فعاش هناك حزينا ... وحيدا ... اما باقي فرسان السرية ... فتفرقوا وتواروا عن الانظار في اماكن لم يعرف بها احد ... عدا الوزير حواس وعشرة من المحاربين ... قرروا الموافقة للخضوع والاعتراف بالملك سبهان ... بعد ان رفض الباقون ... فقد كان الوزير حواس يفكر في خدمة شعبه وتخليصه من هذه الاعباء ... فأنحنى امام الملك الجديد سبهان ! .
- اراك لا تزال تتذكر القصة جيدا ... ولم تؤثر الشيخوخة على ذاكرتك ! .
- يمكنني نسيان كل شيء ... الا قاطع يدي اليسرى ... لذلك اتذكر هذه الاحداث جيدا ! .
- تليفه ... فخر محاربي مملكة شكاحي ... اتفكر بالانتقام منها ؟ .
- ليس لدي القدرة لذلك ... لكني ارغب ان اراها اسيرة ... ذليلة ... لقد بحثت كثيرا عنها ... فلم اجدها ! .
- الا زلت تخشاها ... او تخشاهم ؟ .
- لقد اذلتني ! .
أقترح الوزير خنيفر عليه , ان يرسل رسولا للملك سبهان ليبلغه بما حدث , وليستطلع الامر ! .
قناتنا على التلغرام : https://t.me/kitabat