خصّ الله تعالى أولياءه بالكمالات المعنوية كالعلم والصدق والشجاعة والكرم ونحو ذلك، والكمالات الحسية كتمام الخلقة وجمال الطلعة وبهاء الشكل ووسامة المحيا، وهذه الخصيصة شملت الذكور والإناث من أنبيائه سبحانه وأوليائه وأحبائه، بل جعل الله ذلك من جملة آياته وتأييداتهلهم، كما في حال النبي يوسف uالذي ذكر في قوله تعالى المحكي على ألسنة النسوة ((فَلَمَّا رَأَيۡنَهُۥٓ أَكۡبَرۡنَهُۥ وَقَطَّعۡنَ أَيۡدِيَهُنَّ وَقُلۡنَ حَٰشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا ))، وكموسى عليه السلام الذي ألقى الله عليه المحبة منه، فكان لا يراه أحد إلا أحبه، وكذا المسيح عيسى عليه السلام الذي جعله الله آية من آيات الإعجاز الحسي المرئي، ومن كمال الإناث مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وابنتها فاطمة سيدة نساء العالمين التي تلقب بالزهراء، وابنتها زينب عقيلة الطالبيين التي وصفت بالشمس الطالعة.
ومن نسل إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام جاءت الذرية الكاملة والصورة الإلهية ممثلة بالكمال الحسي لمحمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم صلى الله عليه وآله ، وهو نسل موسوم بالجمال الوضاء، فهاشم وصف بالقمر، وعبد المطلب كما جاء في سيرة ابن هشام محفوف بأولاده كأنهم البهاليل من حوله،وقالت برة بنت عبد المطلب تبكي أباها:
أعينيّ جودا بدمع دررْ على طيّب الخيم والمعتصرْ
على ماجد الجد واري الزناد جميل المحيا عظيم الخطر
على شيبة الحمد ذي المكرمات وذي المجد والعز والمفتخر
له فضلُ مجدِ على قومه منير يلوح كضوء القمر
وأما نبينا الأعظم فهو التكامل الحقيقي المادي لخلاصة الأنبياء، فقد اتفق أهل السير في الصفة عنه بأنه ((كان إذا سُرّ يستبشر كأن وجهه فلقة قمر، وكأن عنقه أساريع الذهب))، وجعل الله هذا الكمال النبوي الهاشمي الجميل من جملة ما ميز به نبيه وأسرته الطاهرة، فقسم بهاءه وجمال طلعته بينهم، فكانت عبارة (أشبه الناس به) مخصوصة بهم، لا ينازعهم عليها أحد، وهكذا كانت فاطمة ـ كما قالت أم سلمة ـ ((أشبه الناس وجها وشبها به صلى الله عليه وآله))، ووصفت بأنها ((كانت بيضاء مشربة حمرة كأنها القمر ليلة البدر، وكأنها شمس قرنت غماما))، وأما زوجها أمير المؤمنين عليه السلام فهو كما ذكر القرآن من نفس رسول الله وأشبه الناس به، وكان هاشمي الوالدين.
وأما الحسن والحسين فقد توارثا صفات جدهما الرسول وشمائله، قال الحسن عليه السلام - على سبيل المصداق - في قوله تعالى: ((فِيٓ أَيِّ صُورَةٖ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ)): صوّر الله عز وجل علي بن أبي طالب في ظهر أبي طالب على صورة محمد، فكان عليّ بن أبي طالب أشبه الناس برسول الله، وكان الحسين بن علي أشبه الناس بفاطمة، وكنت أنا أشبه الناس بخديجة الكبرى.
وهذا الإرث البهي من الرسول صلى الله عليه وآله كثيرا ما نجد عباراته في سيرة استشهاد الحسين عليه السلام وذكر أسرته يوم العاشر من المحرم في طف كربلاء، وكأن الله جعله دليلا لا يدفع على أحقيتهم في قيادة الأمة من بعد خمسة عقود من وفاة الرسول صلّى الله عليه وآله ، ولم يكن كُتّاب التاريخ والمقاتل ليغفلوه لصراحته وقوة وضوحه، فتلك الجراحات الكثيرة في جسد الحسين عليه السلام ووجهه الكريم لم تمنع من إظهار ذلك البهاء والجمال حتى ذكر أن الشمر ـ لعنه الله ـ قال ساعتئذ: ((ما رأيتُ قتيلا مضمّخا بدمه أحسن منه ولا انور وجها، ولقد شغلني نور وجهه وجمال هيئته عن الفكرة في قتله)).
وكان عديد أسرة الحسين عليه السلام يومئذ اثنين وعشرين هاشميا طالبيا ـ بحسب ما ذكر أصحاب المقاتل ـ أغلبهم من سن الشباب والصبيان والفتيان، من أبنائه، ومن إخوته لأبيه، ومن أبناء أخيه الحسن عليه السلام ، وأبناء عمه من أولاد عقيل، وأبناء أخته، أسنهم أبو الفضل العباس بعمر ست وثلاثين ربيعا، قال فيه أبو الفرج الأصفهانى في مقاتله: ((وكان العباس رجلا وسيما جميلا يركب الفرس المطهّم ورجلاه تخطان في الأرض وكان يقال له قمر بني هاشم، وكان لواء الحسين بن علي عليه السلام معه يوم قتل)).
وكان أول تلك الأقمار الآفلة علي بن الحسين الملقب بعلي الأكبر ابن ثماني عشرة أو خمس وعشرون، قال فيه أبو عبد الله حين عزم على الحرب رافعا محمدته نحو السماء: ((اللهم اشهد على هؤلاء القوم، فقد برز إليهم غلام أشبه الناس خلقا وخُلُقا ومنطقا برسولك، كنا إذا اشتقنا إلى نبيك نظرنا إلى وجهه)).
ونقل في هذا المعنى راوية الطف حميد بن مسلم فقال في شأن القاسم بن الحسن: ((خرج علينا غلام كأن وجهه فلقة قمر، في يده سيف وعليه قميص وإزار ونعلان قد انقطع شسع إحداهما، فقال لي عمر بن سعيد بن نفيل الأزدي: والله لأشدن عليه، فقلت: سبحان الله، وماذا تريد منه؟ دعه يكفيكه هؤلاء القوم، فشد عليه فقتله)).
أقول: ولعله لهذا السبب ارتجز القاسم حينها قائلا:
إنّي أنا القاسم من نسل عليّ نحن وبيت الله أولى بالنبيّ
من شمر ذي الجوشن أو ابن الدعيّ
ولا ريب في أن هذه الدلائل الحسية بتمايز الخلقة وكمالها الإلهي صورة الامتداد النبوي ودليل انطباقه عليهم، وهي بعد دليل على أحقية دعوة الحسين عليه السلام وشرعية خروجه في شأن إصلاح أمة جده، ولم تكن حجة على جموع جيش ابن سعد فحسب، بل هي حجة على أبناء هذا الزمان وإلى يوم القيامة.
قناتنا على التلغرام : https://t.me/kitabat