بعد حرب الجمل إتضحت لأمير المؤمنين ؏ المعالم الجديدة للدولة بتشكيلاتها الإدارية والسياسية والاجتماعية .. ، وبانَ له التغيير المستجد في موازنات القوى وحجم النصرة بين أمصار دولة الخلافة العلوية .. كما برزت مفاتيح الخارطة العسكرية المُحدَّثة وتحديد مواقع وتخندقات العدو بصورةٍ أكبر ..
ووفقاً لمجموعة من المرجّحات الدقيقة والواقعية ترشّحت الكوفة من بين جميع مدن الخلافة الإسلامية العلوية كعاصمة سياسية وعسكرية جديدة لها .
وكانت نصرة أهل الكوفة للإمام في حرب الجمل بمثابة بيعة العقبة للنبي الأكرم من قبل أهل المدينة والتي هيّئت أسباب ومقدّمات الهجرة . فكانت وراء إتخاذ القرار النهائي لأمير المؤمنين بالإنتقال اليها وإدارة شؤون الدولة من عندها ..
وهذا التحليل يُقرأ بسهولة من متابعة الأحداث والوقائع وقراءة مستنداتها وخاصة رسائل أمير المؤمنين ؏ وكلماته ، فمما جاء مثلاً في الرسالة التي بعثها الى أهل الكوفة يستنصرهم بها لمجابهة فتنة أهل الجمل : ( من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى أهل الكوفة جبهة الأنصار ، وسنام العرب ... واعلموا أن دار الهجرة قد قلعت بأهلها وقلعوا بها ، وجاشت جيش المرجل وقامت الفتنة على القطب ، فأسرعوا إلى أميركم وبادروا جهاد عدوكم إن شاء الله ) .
ففي الوقت الذي خرج مع أمير المؤمنين ؏ من المدينة خلف طلحة والزبير سبعمائة نفر من أهلها ، التحق به من أهل الكوفة ستة الآف مقاتل وقيل سبعة الاف ..
وكذا تكررت نصرة أهل الكوفة بحرب صفين وبرهنوا على استحقاق مدينتهم بأن تكون عاصمة جديدة للإسلام ، ففي الوقت الذي خرج له ( ٣٢٠٠ ) مقاتلاً من أهل البصرة ، خرج معه ( ٦٥٠٠٠ ) من أهل الكوفة بعد أن خاطبهم : ( يا أهل الكوفة ! أنتم إخواني ، وأنصاري ، وأعواني على الحق ، وصحابتي على جهاد عدوي المحلين بكم ، أضرب المدبر ، وأرجو تمام طاعة المقبل ، وقد بعثت إلى أهل البصرة فاستنفرتهم إليكم فلم يأتني منهم إلا ثلاثة آلاف ومائتا رجل ، فأعينوني بمناصحة جلية ، خلية من الغش ، إنكم مخرجنا إلى صفين .. ) .
إذن نحن أمام تغيير سياسي تاريخي كبير حصل في الأمة الإسلامية في الفترة التي أعقبت رحيل النبي الأكرم صلوات الله وسلامه عليه ، فالخليفة غير الخليفة المعتاد ، والعاصمة غير العاصمة المعهودة ، والعدوّ غير العدوّ التقليدي .. إنقسامات وشروخ واسعة سببها نعرات جاهلية أدّت إلى اختلاف المنهج وعدم تلاقي الغاية والأهداف : ( وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ ، تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ ) غافر ٤١-٤٢
فصار الموقف العام كالتالي : إما أن يضحّي أمير المؤمنين بالإسلام الحقيقي الذي جاء به الرسول الكريم ، أو يستأصل من جسد المسلمين ما فسد منه ويئس من إصلاحه وإن تطلّب الأمر الى عمليات بتر كبيرة ..!
بقاء الإسلام المرضيّ عند الله ولو على نحو النظرية وإنتظار اليوم الذي يهيأ الله له أناساً وحَمَلةً يجعلوه واقعاً .. أولى من توقيع وشرعنة نسخة مشوّهة يتلّبس بها بنو أمية ومن على شاكلتهم وطريقتهم .. هذه النسخة التي أمضاها الخلفاء الثلاثة ومن تابعهم ستكون عند إمضاء علي بن أبي طالب لها النسخة الوحيدة وعندها سيُقرأ على دين محمد السلام ، لأنها تحمل أسباب موتها ونهايتها المحتومة ..
فخلافة الإمام كانت رفضاً عملياً لمدرسة خلافة السقيفة وتطبيقاً على أرض الواقع لما يجب أن يكون عليه خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله ، وهذا بحدّ ذاته إنجاز ما بعده إنجاز .. يتبع
قناتنا على التلغرام : https://t.me/kitabat