البعد الروحي للطواف ح(3)
السيد عبد الستار الجابري
المقالات لا تُعبر عن وجهة نظر الموقع، وإنما تعبر عن رأي الكاتب.
السيد عبد الستار الجابري

وعن عيسى بن يونس قال : كان ابن أبي العوجاء من تلامذة الحسن البصري فانحرف عن التوحيد فقيل له : تركت مذهب صاحبك ودخلت فيما لا أصل له ولا حقيقة ؟ فقال : إن صاحبي كان مخلطا ، كان يقول طورا بالقدر وطورا بالجبر وما أعلمه اعتقد مذهبا دام عليه وقدم مكة متمردا وإنكارا على من يحج وكان يكره العلماء مجالسته ومسائلته لخبث لسانه وفساد ضميره فأتى أبا عبد الله ( عليه السلام ) فجلس إليه في جماعة من نظرائه فقال : يا أبا عبد الله إن المجالس أمانات ولابد لكل من به سعال أن يسعل أفتأذن في الكلام ؟ فقال : تكلم فقال : إلى كم تدوسون هذا البيدر وتلوذون بهذا الحجر وتعبدون هذا البيت المعمور بالطوب والمدر وتهرولون حوله هرولة البعير إذا نفر ، إن من فكر في هذا وقدر علم أن هذا فعل أسسه غير حكيم ولا ذي نظر فقل فإنك رأس هذا الامر و سنامه أبوك أسه وتمامه فقال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : إن من أضله الله وأعمى قلبه استوخم الحق ولم يستعذ به وصار الشيطان وليه وربه وقرينه ، يورده منا هل الهلكة ثم لا يصدره وهذا بيت استعبد الله به خلقه ليختبر طاعتهم في إثباته فحثهم على تعظيمه و زيارته وجعله محل أنبيائه وقبلة للمصلين إليه فهو شعبة من رضوانه وطريق يؤدي إلى غفرانه ، منصوب على استواء الكمال ومجمع العظمة والجلال خلقه الله قبل دحو الأرض بألفي عام فأحق من أطيع فيما أمر وانتهى عما نهى عنه وزجر الله المنشئ للأرواح والصور"
فالحكمة من تشريع الطواف حسب هذين النصين الشريفين هو الكشف عن طاعة العباد ومدى التزامهم بما يأمر به الله تعالى، مع ملاحظة ان الدعوة الى الطواف لا يقارنها مرغبات مادية حيث ان المنطقة خلية من الموارد الحسية الجاذبة نحو القصد اليها، فالمنطقة جرداء خلية من الجبال التي تتربع على قممها الثلوج، ولا يحيط بها الحدائق النضرة ولا البساتين العامرة، بل هي كما وصفها النبي ابراهيم (عليه السلام) واد غير ذي زرع، ارض قاحلة وجبال جرداء وهواء يلفح الوجوه لشدة حرارته، فالبيئة المادية التي يجري فيها الطواف لا تجعل الطواف مرغوبا به لذاته حسيا، فالانسان بطبعه ميال لجمال الطبيعة واعتدال الهواء، ففي هذا الموضع تنكشف امام ناظر الانسان مدى طاعته لمولاه وصدق عقيده فيمن يتولاه، فكما ان ميزة الصوم انها تمنع الانسان مما يرغب فيه من طعام ذي مذاق لذيذ، وشرب ماء سلسبيل عذب واستمتاع تميل اليه طباع بني البشر فكان جزاءه ان الصوم لي وانا اجزي به، فكان للصائم من الاجر ما يتناسب مع الامتناع عن الطيبات المباحة طاعة للمعبود، فكذا الطواف بالبيت العتيق، حيث يدور الانسان حول احجار ليس لها بريق الياقوت او العقيق، ولا لمعان الذهب والفضة، ولا جمالية الفيروز والكهرب، بل احجار سوداء ليس في لونها ما يجذب الناظر، ولا في هندسة بنائها ما يحير الالباب فلا نقوش ولا اقواس ولا محاريب، فعندها يتجلى للقلب واقع الارتباط بين العبد وبين الرب، حيث ان الاحرام قد منع عن الناسك ما كان يلذ له ويغل يده عما يرغب في فعله، فكذا الدوران حول تلك الاحجار ليس فيها من الجنبة المادية اي مرغب، وهنا تشرق حكمة التكليف اذ مع انتفاء المرغب المادي وصعوبة الظروف التي تحيط بالطائف يكون الاجر والثواب اجزل واعظم، لان الاجر على قدر المشقة.
قناتنا على التلغرام : https://t.me/kitabat