ما معنى أن لا نكتب كل مرة بطريقة مختلفة، وكأننا للتو نتعلم كيف نحكي، وكأننا لم نحكِ ولم نكتب سابقا؟ ما المسافة بين النص والإلقاء؟ أين تكمن قيمة الجمال، هل الجمال في الكتابة؟ هل الكتابة صورة هامسة للكلام؟ متى يكتمل النص بالإلقاء؟ ومتى ينقص؟ نحن نكتشف ما لدينا عندما نكتب وليس عندما نقول! نحن نمحص ما اكتشفنا عندما ندون وليس من السرد الشفوي. السرد الشفوي لا مجال معه للمراجعة والتصحيح والاختصار والتكثيف.
لا تصير الفكرة فكرة إلا بعد نطقها. ولا تخرج من خصوصية الذات إلى عمومية التداول إلا بالكتابة.. الكتابة تعيد اكتشاف الصور والأفكار والاستنتاجات، وتمحق الاستطرادات الهشة، وتمتحن أوهامنا الخاصة.
الكتابة تعمق الفكرة أو تحذفها. تجمل الصورة الفنية أو تشوهها.. لكن للمشافهة منطقها الخاص بها أيضا، بعض الشعراء يخدم الإلقاء شعرهم، وبعضهم يذهب المنبر بهيبتهم.. وقد عرف تاريخ الأدب نصوصا شفوية أو منبرية باهرة، كما عرف نصوصا صامتة خصبة المعاني متعددة الطبقات..
تاريخيا، ثمة افتتان شديد الغواية، تحظى به الشفاهية.. وما زالت تأسرنا المشافهة باعتبارها ارتبطت منذ نشأتها بالتواصل الإنساني الحي والمباشر، واكتسبت تشكلات أسلوبية جاذبة مثل الشعر والخطابة والحكاية.. ومثل المناظرات والمحاضرات وبرامج الفضائيات الكلامية هذه الأيام. هكذا اكتسبت الشفاهية وما زالت تكتسب خصائص سمعية جمالية، ووظائف صوتية ذات نبر إيقاعي وهبها سحرا مضاعفا .. أما النص المكتوب فإنه يتوخى التأمل في معنى المعنى لا الافتتان بسحر البيان. أي أن فعل الكتابة كأصالة إعجاز جوهره اللغة المكتوبة لا المنطوقة، ومادته الفلسفة والفكر والمعرفة يأخذ على عاتقه أيضا إعادة إنتاج الشفوي في قالب تحريري مكتوب، ليتحقق كمتطلب جمالي بتحقق عملية التأويل، تأويل النص ضمن شرطه الخاص به، كذلك تأويل الممكن والمتخيل داخل فضاء النص (الزمكاني واللغوي)، حيث يتعين على النص المكتوب أن يكتسب تلك الخصائص الأسلوبية التي تجعله حيا ونابضا، يستدرج تعدد القراءات، وتباين زاويا النظر، وتنوع الرؤى، وهنا تتأتى المتعة من تحقيق خاصية التواصل مع المكتوب. كذلك متعة اكتشاف التصادم بين التناص والتأويل أي بين القراءة وإعادة إنتاج المقروء، وهي مسألة رغم بصيرتها، غالبا ما تدخل في مناطق مظلمة، يتعذر أحيانا حتى على القارئ المتمرس رؤية تفاصيلها والدنو من مضانها وكشف خباياها، وهذا يذهب بها لتكون حكرا على الخاصة من المتلقين.. وذلك خلافا لأنساق الخطبة أو الحكاية أو المناظرة في قماشتها الشفوية التي تأنس قدرا من الوضوح والتبسيط لتجذب العامة وتؤنسهم.
من منظور آخر فإن إعادة إخراج النص المكتوب في قالب صوتي يتطلب إزاحة الكلمات عن ألفاظها وضبط الجرس مع الإيقاع، وهذه الإزاحة تمس المبنى وتزحزح المعنى بالضرورة.. فالنص المكتوب مختلف عن النص المنبري. ومن المنطقي القول بأن قلة من الشعراء على وجه خاص يجيدون الجمع بين عمق المعنى وسحر الإلقاء. هذه المنطقة المشتركة بين إيقاع المنطوق، ومعنى المكتوب لها بلاغتها الخاصة، ففي المفصل المشترك بين المكتوب والشفوي حيث يلتبس النص أحيانا بين الشعر والخطابة، بين القص والحكي، أي بين الكتابة والكلام، هناك في تلك المساحة الضيقة قد ينحط النسق العام للتواصل بين المنتج والمتلقي فيصير الشعر خطابة ممجوجة، ويقع السرد في وهدة الحكايات الساذجة.. وقد يتنبه المبدع إلى تلك الطاقة الوجدانية التي تهب الخلق الأدبي طبيعته الحارة، من خلال قنص بلاغة المشافهة، وسحر البيان، ويوظف حيوية وقعهما على أذن السامع في النص ذاته الذي يطوع اللغة الحية للتدوين التي تبث الروح في المعنى الذي من كلمات يتنفــس، فيمتع أذن المتلقي، ويرضي عينه، ويجذب عقله، أيا كان مقعده على مدرج الثقافة.. وهكذا تتحقق الإضافة.
قناتنا على التلغرام : https://t.me/kitabat