الشذوذ الوهابي ونظرة الدين
المقالات لا تُعبر عن وجهة نظر الموقع، وإنما تعبر عن رأي الكاتب.

ينظر البعض نظرة تعسف ويطلق تصريحات وتشخيصات مريرة كثير من الآراء المطروحة على الساحة الإعلامية، تفيد بأنّه في ظلّ تمدد وهيمنة الفكر الديني على مناحي الحياة المدنية، يغدو من الطبيعي تحريم الفنون في العالم العربي عموماً، هذا التأويلَ مغاير ومجانب لحقيقة الواقع، النظر باتجاه مدارس الشواذ الوهابي لايعد وجهة نظر الدين ، لكوننا نعلن وفي كل وسائط الاعلام اننا لانعتد بارائهم ولا نعتبرها تمثل الاسلام ، بدءا من التشدد الفكري والانغلاق بينما الدين الاسلامي منفتح ، لنواجه تهمة اخرى تقول ان الفكر الاسلامي يرفض استخدام العقل لفهم الوجود الإنساني العظيم, ويربط الناس بمفاهيم محددة ومطلقة في معناها وتوجهاتها؛ فالفكر الديني يقيّدُ العقل, والفلسفة تطلق العقل, فكيف لمتناقضين أن يجتمعا في حياة واحدة؟!
ولكن الوضوحَ في الرؤية، واتباع سبل الموضوعية والطرح العلمي الجاد، يدعونا للتساؤل: هل فعلاً حرّم الفكرُ الديني – الإسلامي منه على وجه التحديد - الفنون في العالم العربي؟ ونحن نعلمُ أن الأديانَ متعددة الأفكار والإتجاهات والإجتهاد، قبالة التغيرات الإنسانية في طرق العيش، ومستويات النضج والتفكير، رغم أنها تشعّ من نور سماوي واحد؛ ولكن يتميز الدين الإسلامي بأنه خاتمة الأديان، وبه من الشمولية بحيث يخاطب عقليات وصلت مديات من النضج والإدراك على مرّ التاريخ؛ وعلى هذا فهو يخلص في النهاية إلى الحفاظ على كرامة الإنسان، وسبل رفاهيته، بالعيش في عدل ومساواة... اذا اردنا ان نتحاور لابد ان نسأل ما هي موارد التحريم التي امتلأت بها الساحات الإعلامية السياسية قبل الدينية، وما هي تلك الفنون التي حرّمَها الدين؟ فإذا كان المقصود هو الغناء، ويعتبرونه فنّاً حرّمه الدين الإسلامي، فهذه مسألة خاضعة لوجهة نظر، وذلك بالرجوع للأدلة الفقهية التي ترى بأن الغناء يدعو إلى مفاسد كثيرة، المجتمع في غنى عنها، في قصده التكاملي الإصلاحي؛ بينما العديد من الفنون لا يرى الإسلامُ أو أي دين آخر حرجاً في مزاولتها؛ كالرسم، والخط، والتمثيل التلفزيوني والمسرحي، إذا كانت في النهاية تصبّ موضوعاتها في دعم الإبداع، واحترام التفكير الإنساني، وتعزيز الطاقات والمواهب الذاتية والكامنة في الذات الإنسانية، وقيادة المجتمعات وحثّها لممارسة الفنون، لتساهمَ في القضاء على الكثير من مظاهر الإنحراف، كذلك حفظ التراث، وتمجيد عظماء البشرية الذين نذروا حياتهم لإصلاح الإنسان وعمارة الأرض، فضلا عن كونها تعد السبيل للتواصل الثقافي والمعرفي بين الشعوب والأمم المترامية الأطراف.، لكن من اين جاءوا بمعنى الغاء الفلسفة من حياة الانسان،
باعتباره مخاض ممازجة مع حضارات عالمية مجاورة كاليونانية والفارسية والهندية، ولا عيب في ذلك، إن كانت تصبّ في مستويات إغناء العقلية وطرق التفكير العربي، مع مالديها من الرصيد الفلسفي الإسلامي؛ أليس الدينُ الإسلامي فلسفياً قائماً على طرق تفكير غنيّة بفهم العلاقات والروابط بين الأشياء والموجودات، والإستنتاج والبرهنة، وإعمال العقل في فهم الكثير من تعاليم وحكم الدين الإسلامي. فأيّ من تلك الأحكام يلغي دورَ العقل، عدا تلك المرتبطة بالحكمة الإلهية، ونحن نسلّم بصحتها كونها صادرة من المعبود المطلق، ومن طرق صحيحة وموثوقة؛ أي بمعنى أننا غير معنيين بالسؤال عن وجه الحكمة في التشريعات الإلهية، إلا التي تصدى رجال الفلسفة والفكر الإسلامي والإنساني برمته من أئمة أهل البيت عليهم السلام، وبالعلم الذي أودعه سبحانه وتعاله فيهم، في تبيان وإيضاح الكثير منها... الأمر الذي لايدعونا إلى التعنت والجدل في ضرورة مقايضة فهم الأسرار الإلهية في تعاليم وأحكام الدين الحنيف، مقابل الإيمان والتصديق بها، ومن ثم تطبيقها والعمل وفقها بالطاعة والتسليم...
قناتنا على التلغرام : https://t.me/kitabat