صفحة الكاتب : محمد حسب العكيلي

رقصة الحياة
محمد حسب العكيلي

المقالات لا تُعبر عن وجهة نظر الموقع، وإنما تعبر عن رأي الكاتب.

"المحيط الهادئ ليس بهادئ" رددتُ هذه الجملة التي سيطرت على قاموس مفرداتي مراراً وانا اضيع بين موجات المحيط التي تضرب كمدافع لم اسمع بها منذ الحرب العراقية الامريكية, منذ الطفولة التي قضيناها على ضفاف نهرٍ أشبهُ بالغدير في إحدى ضواحي بغداد, ابو غريب, تلك المنطقة الزراعية التي ترعرعنا بين خضرة بساتينها.

لم اكتفِ بتكرار هذه الجملة المجهولة الهوية, بل كتبتُها في مذكرة الهاتف, وكأنني اريد ان أؤرخ هذه اللحظة بزمانها ومكانها, بموجاتها العتية, بسفنها البعيدة الضخمة, بشساعة الساحل, بالخلوة التي تسعد من يحبون الهروب من المدن المزدحمة, بالجمالية التي يرسمها خط الافق, بالبعد الخيالي لفرشاة الرسامين والحالمين..

البحر والماضي شيئان متشابهان, وربما البحر والحياة شيء واحد, هذا ما اتخيلهُ او اتصوره بعيداً عن المنطق الفيزيائي لحركة الطرفين, بعيداً عن النظريات الكيميائية لعوامل تكوين الاثنين, بعيداً عن المنطق الفلسفي لهواة كل من البحر او الحياة...

الماضي وذاكرتهُ, الشاسعة, عادا بيَّ الى اقرب وقت, وكأنهما لسمكةٍ وليسا لانسان, فتذكرتُ روايةَ خَتمتُها قبل ايام من هذه الجلسة البحرية, عادةً ما تعود بيَّ وبأغلب البشر الذاكرة الى اقدم الذكريات بمسراتها واحزانها, لكنها هذه المرة عادت بي الى البعيد القريب "زوربا". تلك الرواية الاغريقية المليئة بالمنطق الفلسفي, ذات النظرة الواقعية للحياة "الحياة"  التي نعيشها بلا امل.

انهيت رواية زوربا قبل ايام قلائل, كانت مليئة بالاحداث الميتافيزيقية, بالروحية العالية, بالواقع الخيالي, بالمُمكن...

انها ليست رواية, وليست بكتاب ولا بتجربة, بل انها حياة نعيشها نحن البشر. حيث احداثها التي تسير بسرعة الرياح التي تصنع امواج البحر, كانت تفاصيلها دقيقة جداً, من تركيز كاتبها على الشخصية الانطوائية "باسيل" الى الواقع الجامح الجميل "زوربا".

لو خُير الانسان بلون الحياة التي يحب, لاخترتُ زوربا. ذلك الرجل العنيف بحبه, القوي بحنانه, الدافئ بتصرفاته الحارة, الطيب بكلماته الصلبة, انه يشبه الدين, او الاصح انهُ يشبه الدنيا, ذلك ان الدين والدنيا شيئان مختلفان, فالدنيا تريد ما يريده زوربا, والدين يريد ما يريده الاساقفة.

عادت بي الذاكرة ايضاً الى الماضي الابعد, حيث الواقع الاسقفي الذي يعيشهُ مجتمعي, بل تعيشهُ المجتمعات البشرية كَكُل, ولن اسمح لنفسي هنا ان اذكر التفاصيل, لكوني مستمتع بالبحر وزوربا, اولئك الشيئان المتشابهان صوتاً وصورةً, شكلاً ومضموناً. اولئك الهادئان سطحاً, الغاضبان جوفاً!

لم ابتعد كثيراً في الذاكرة, لكن ابتعدتُ قليلاً لرؤية خط الافق الرائع, انهُ يشبه الحياة,  يشبهها الى درجة انه يكاد ان نتصوره يحدها. نقلتُ نظراتي الى امواج البحر التي ترقص كرقصة زوربا.

لابد لنا جميعاً ان نرقصها, انها ليست برقصةٍ بقدر ما هي حياة اخرى يخلقها الامل الخائف بداخلنا, انها موسيقى الروح الصامتة, انها الدين الذي لا نعرفه, فلا يوجد دين يُحرم الرقص التأملي, لذلك من الواجب الروحي تجاه انفسنا ان نظهر الابداعات التي تغص داخلنا برقصة الامل الزوربوية او نذهب ابعد من ذلك لنرقص رقصة الحياة مع عامٍ جديدٍ...

نيوزيلاند

2017-12-31

 


قناتنا على التلغرام : https://t.me/kitabat


محمد حسب العكيلي
 (للدخول لصفحة الكاتب إضغط هنا)

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2018/01/02



كتابة تعليق لموضوع : رقصة الحياة
الإسم * :
بريدك الالكتروني :
نص التعليق * :
 



حمل تطبيق (كتابات في الميزان) من Google Play



اعلان هام من قبل موقع كتابات في الميزان

البحث :





الكتّاب :

الملفات :

مقالات مهمة :



 إنسانية الإمام السيستاني

 بعد إحراجهم بكشف عصيانها وخيانتهم للشعب: المرجعية الدينية العليا تـُحرج الحكومة بمخالفة كلام المعصومين.. والعاصفة تقترب!!!

 كلام موجه الى العقلاء من ابناء شعبي ( 1 )

 حقيقة الادعياء .. متمرجعون وسفراء

 قراءة في خطبة المرجعية : هل اقترب أَجلُ الحكومةِ الحالية؟!

 خطر البترية على بعض اتباع المرجعية قراءة في تاثيرات الادعياء على اتباع العلماء

 إلى دعاة المرجعية العربية العراقية ..مع كل الاحترام

 مهزلة بيان الصرخي حول سوريا

 قراءة في خطبة الجمعة ( 4 / رمضان/ 1437هـ الموافق 10/6/2016 )

 المؤسسة الدينية بين الواقع والافتراء : سلسلة مقالات للشيخ محمد مهدي الاصفي ردا على حسن الكشميري وكتابيه (جولة في دهاليز مظلمة) و(محنة الهروب من الواقع)

 الى الحميداوي ( لانتوقع منكم غير الفتنة )

 السيستاني .. رسالة مهدوية عاجلة

 من عطاء المرجعية العليا

 قراءة في فتوى الدفاع المقدس وتحصين فكر الأمة

 فتوى السيد السيستاني بالجهاد الكفائي وصداها في الصحافة العالمية

 ما هو رأي أستاذ فقهاء النجف وقم المشرّفتَين السيد الخوئي بمن غصب الخلافة ؟

 مواقف شديدة الحساسية/٢ "بانوراما" الحشد..

أحدث مقالات الكتّاب :





 لنشر مقالاتكم يمكنكم مراسلتنا على info@kitabat.info

تم تأسيس الموقع بتاريخ 1/4/2010 © محمد البغدادي 

 لا تتحمل الإدارة مسؤولية ما ينشر في الموقع من الناحيتين القانونية والأخلاقية.

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net