- نحن الشعب الوحيد الذي يبدأ اول ايام أعياده بزيارة المقابر والبكاء على الموتى في حين تخرج كل الشعوب في اعيادها الى اماكن التنزه واللهو والاسترخاء .
- هذا دليل على الوفاء ... قال اخي ذلك بثقة وهو الذي رافقني صباح يوم العيد لزيارة امواتنا وقراءة بعض سور القرآن واهدائها لأرواحهم ..
الملفت للنظر ان الناس يأتون من كل حدب وصوب فتجد مئات المركبات قد توقفت بعشوائية في اماكن غير مخصصة للوقوف ولكنها في مثل هذه الايام تكون موقفا للسيارات والاف البشر يسيرون بكل الاتجاهات وليس بمقدور احد ان ينظم هذه الحشود او يجعلها تتوقف عن المسير والعشرات من رجال الامن منتشرون في اماكن متفرقة يوجهون الناس ويفتشونهم قبل الدخول الى المقابر وكأن عملهم هذا سيحفظ سكينة ارواح الموتى الهاجعة في قبورها ..
لفت نظري هذه المرة الشحاذون الذين ابتكروا طريقة جديدة للاستجداء بأستخدامهم لمكبر الصوت الذي يسجل الصوت ويردده فلا يتعب الشحاذ في اطلاق العنان لصوته حين ينادي بالعبارات المألوفة (من مال الله _ في سبيل الله ) ..
قلت لأخي :
- هذه السنة ابتدع الشحاذون بدعة جديدة
- أنا لا اعطي لأمثال هؤلاء
- ولكني احترم البعض منهم , أولئك الذين يقرأون أبيات العزاء على الامام الحسين (عليه السلام) وأسرته وأصحابه (عليهم السلام) فهم يجعلوننا نعيش اللحظة بذكرهم مصائب سيد الشهداء التي تهون دونها كل المصائب فيجعلون القلوب ترق فتذرف حرقتها حزناً على الحسين (عليه السلام) وما جرى له من المصائب العظام لذا فهم يعرضون شيئاً يستحق الشراء ..
هنا طرق سمعي صوت واحد من أولئك الذين يقرأون العزاء وقد وصل بقراءته الى ذكر مصيبة مقتل سيدنا العباس (عليه السلام) وكفاه القطيعتان وعينه التي اصابها سهم الغدر وهو يدافع عن العقيدة والشرف والمقدسات وكأن حواراً دار بينه وبين اخته العقيلة زينب (عليها السلام) تناشده فيه ألّا يغيب فيغيب معه العز والامان ..
وصلنا الى قبور اهلنا وشرعت بقراءة سورة الفاتحة والقدر وسورة يس وكان قريبا مني امرأتان أحداهما مسنة والاخرى اصغر منها وهما يحدثان قبر فقيدهما الشاب بحرقة وانين ولوعة وعلى مقربة كانت هناك امرأة نادى عليها ذووها لكنها كانت تريد البقاء قليلاً وكأنها تناجي عزيزاً غيبه التراب ..
بعد ان اكملنا مراسيم الزيارة طفقنا انا واخي راجعين ولفت نظري قبور شيدت في وقت قريب وما تزال الورود الصناعية التي علتها لم تتغير الوانها بفعل اشعة الشمس الحارقة ونظرت الى تاريخ الدفن فوجدته قبل ايام .... يا الله .... ما لهذا البلد لا يُغتال فيه الشباب الا في ريعان ربيعه ..
كنت اصارع نشيجاً وقف على شرفات حلقي فمنعته , وأنا ارى قبور الشبان التي تسارع انتشارها بشكل عجيب وكلهم في عشريناتهم الغضة .. هذه القبور دفنت احلاماً وامنيات ودفنت معها قلوباً لأمهات كانت تنتظر خضرة الزمان بعد جدب السنين ..
وكان ختام هذه السياحة موكب صغير مكون من أمٌّ مفجوعة وصغارها يمسكون لافتة تحمل اسم وصورة شاب شهيد بذل نفسه رخيصة دفاعا عن الشرف والمقدسات لينعم هذا البلد بالأمن والسلام ..
قناتنا على التلغرام : https://t.me/kitabat