صفحة الكاتب : باسل قس نصر الله

فرحةُ العيدِ وحكايةُ الحلاقِ
باسل قس نصر الله

المقالات لا تُعبر عن وجهة نظر الموقع، وإنما تعبر عن رأي الكاتب.

 عندما كنتُ في العاشرةِ من عمري، كان العيدُ يعني لي أشياءَ كثيرةً، وأنا الذي كنتُ أحتفلُ كأيِّ مسيحيٍّ بأعيادِ الميلادِ والفصحِ وبأعيادِ رفاقي الأولادِ المسلمينَ من فطرٍ وأضحى .. وآخذُ العيدياتِ في كلِّ الأعيادِ، لكن أكثرَ ما كنتُ أنتظرُهُ هو زيارةُ الحلاقِ في الليلةِ التي تسبقُ الأعيادَ جميعَها. فالحلاقُ لم يكن مجردَ مكانٍ نقصدُهُ لنقصَّ شعرَنا، بل كان طقساً من طقوسِ الأعيادِ، يحملُ معهُ نكهةً خاصةً لا يعرفُها إلا الأطفالُ.

كنا نتحلقُ حولَ كرسيِّ الحلاقِ بعيونٍ تلمعُ حماساً، نراقبُ المقصَّ وهو يلمعُ تحتَ ضوءِ المصابيحِ، ونسمعُ صوتهُ الحادَّ وهو يلتهمُ خصلاتِ شعرِنا كأنهُ يبتلعُ عاماً كاملاً من اللعبِ والمغامراتِ. لم أكن أحبُّ قصَّ شعري في الأيامِ العاديةِ، لكن في الأعيادِ كان الأمرُ مختلفاً. كان أبي يأخذُني مع أخي سامرَ، ونسمعُ أصواتَ الباعةِ الذين يعلنونَ عن بضائعِهم بصوتٍ عالٍ، كأنَّ المدينةَ كلَّها تستعدُّ للفرحِ.

عندَ بابِ الحلاقِ، كان علينا الانتظارُ طويلًا. كان المحلُّ مزدحمًا بالصغارِ والكبارِ، والجميعُ يريدُ أن يكونَ جاهزاً لاستقبالِ العيدِ. يجلسُ الرجالُ على المقاعدِ الخشبيةِ، يتبادلونَ أطرافَ الحديثِ عن أجواءِ الأعيادِ وأينَ سيقضونَ العيدَ. أما نحنُ الصغارُ، فكنا نحملُ في جيوبِنا القليلَ من النقودِ التي أعطانا إياها آباؤُنا، نخططُ لشراءِ الحلوى أو البالوناتِ بعد أن ننتهيَ.

كان الحلاقُ رجلاً طيباً، لكنهُ سريعُ الحركةِ، كأنهُ في سباقٍ مع الزمنِ. يُمسكُ المقصَّ ويمضي بهِ فوقَ رؤوسِنا كما لو كان نحاتًا يصنعُ لوحةً فنيةً وهو يُلقي الكلماتِ ويُحدِّثُنا بآخرِ أخبارِ الحارةِ والمدينةِ ولا غرابةَ أنْ يتطرَّقَ إلى السياسةِ الإقليميةِ والدوليةِ، وكلما قصَّ خصلةً، ابتسمنا بفرحٍ، لأنَّ هذا يعني أنَّنا أصبحنا أقربَ للعيدِ. وعندما كان يمسكُ زجاجةَ العطرِ ويرشُّها على رؤوسِنا في النهايةِ، كنا نشعرُ وكأنَّنا ارتدينا العيدَ نفسهُ، وكأنَّ هذهِ الرائحةَ الزكيةَ هي إعلانٌ رسميٌّ أنَّ الفرحَ قد بدأَ.

ما إنْ ننتهيَ حتى نركضَ إلى بيوتِنا، متباهينَ بقصاتِ شعرِنا الجديدةِ، ونتخيلُ أنفسَنا نرتدي ثيابَ العيدِ وننطلقُ في الشوارعِ صباحاً لاستقبالِ العيدياتِ. كانت الأمهاتُ ينتظرْنَنا، ينظرْنَ إلينا بعيونٍ فاحصةٍ، ثمَّ تبتسمُ إحداهنَّ وتقولُ: "ما شاءَ اللهُ، كأنكم كبرتم سنةً كاملةً!" كنا نضحكُ، لأنَّنا نشعرُ بالفعلِ أنَّنا أصبحنا أكبرَ، ولو بقليلٍ.

ليلةُ العيدِ كانت لها طقوسُها. كنا ننظفُ أحذيتَنا حتى تلمعَ، ونرتبُ ملابسَنا الجديدةَ بدقةٍ على الكرسيِّ بجوارِ السريرِ، كأنَّنا نخشى أنْ تختفيَ في الليلِ. كنتُ أستلقي على الفراشِ وأغمضُ عينيَّ، وأحاولُ النومَ رغمَ أنَّ الحماسَ كان أقوى من النعاسِ. كنتُ أتخيلُ كيف سيبدأُ يومُنا، وكيفَ سنصافحُ الأهلَ والجيرانَ، وكيفَ سأحصلُ على أولِ عيديةٍ وأركضُ بها إلى الدكانِ لأشتري بها شيئاً كنتُ أتمناهُ طوالَ الشهرِ.

اليومَ، وأنا أنظرُ إلى الأطفالِ وهم يذهبونَ للحلاقِ في ليلةِ العيدِ، أبتسمُ وأتذكرُ تلكَ الأيامَ. قد تتغيرُ الأماكنُ وتتغيرُ الأوقاتُ، لكنَّ فرحةَ العيدِ ستظلُّ دائماً كما هي، رائحةَ العطرِ في شعرِ طفلٍ خرجَ للتوِّ من عندِ الحلاقِ، وعيونَهُ اللامعةَ التي تنتظرُ صباحَ العيدِ بفارغِ الصبرِ.

هذا هو عيدٌ جديدٌ لكلِّ السوريينَ .. عيدٌ يبدأ بدايةً جديدةً وكأنَّنا ما كبرنا، وما ضاعت من عمرِنا أوهامٌ لأكثرَ من نصفِ قرنٍ.

وكعادتي أقولُ ..

كلُّ عامٍ وكلُّنا بخيرٍ.
وكلُّ عام وأنتم الخير لسورية
 


قناتنا على التلغرام : https://t.me/kitabat


باسل قس نصر الله
 (للدخول لصفحة الكاتب إضغط هنا)

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2025/03/29



كتابة تعليق لموضوع : فرحةُ العيدِ وحكايةُ الحلاقِ
الإسم * :
بريدك الالكتروني :
نص التعليق * :
 



حمل تطبيق (كتابات في الميزان) من Google Play



اعلان هام من قبل موقع كتابات في الميزان

البحث :





الكتّاب :

الملفات :

مقالات مهمة :



 إنسانية الإمام السيستاني

 بعد إحراجهم بكشف عصيانها وخيانتهم للشعب: المرجعية الدينية العليا تـُحرج الحكومة بمخالفة كلام المعصومين.. والعاصفة تقترب!!!

 كلام موجه الى العقلاء من ابناء شعبي ( 1 )

 حقيقة الادعياء .. متمرجعون وسفراء

 قراءة في خطبة المرجعية : هل اقترب أَجلُ الحكومةِ الحالية؟!

 خطر البترية على بعض اتباع المرجعية قراءة في تاثيرات الادعياء على اتباع العلماء

 إلى دعاة المرجعية العربية العراقية ..مع كل الاحترام

 مهزلة بيان الصرخي حول سوريا

 قراءة في خطبة الجمعة ( 4 / رمضان/ 1437هـ الموافق 10/6/2016 )

 المؤسسة الدينية بين الواقع والافتراء : سلسلة مقالات للشيخ محمد مهدي الاصفي ردا على حسن الكشميري وكتابيه (جولة في دهاليز مظلمة) و(محنة الهروب من الواقع)

 الى الحميداوي ( لانتوقع منكم غير الفتنة )

 السيستاني .. رسالة مهدوية عاجلة

 من عطاء المرجعية العليا

 قراءة في فتوى الدفاع المقدس وتحصين فكر الأمة

 فتوى السيد السيستاني بالجهاد الكفائي وصداها في الصحافة العالمية

 ما هو رأي أستاذ فقهاء النجف وقم المشرّفتَين السيد الخوئي بمن غصب الخلافة ؟

 مواقف شديدة الحساسية/٢ "بانوراما" الحشد..

أحدث مقالات الكتّاب :





 لنشر مقالاتكم يمكنكم مراسلتنا على info@kitabat.info

تم تأسيس الموقع بتاريخ 1/4/2010 © محمد البغدادي 

 لا تتحمل الإدارة مسؤولية ما ينشر في الموقع من الناحيتين القانونية والأخلاقية.

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net