هل بدأ "داعش" يفقد البيئة الحاضنة؟
أثارت التطورات الميدانية في مناطق سيطرة تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» خلال اليومين الماضيين تساؤلات حول التحوّلات المحتملة في البيئة الحاضنة التي استفاد منها التنظيم المتشدد في الآونة الأخيرة.
وبات تعاقب الأحداث في المناطق التي يسيطر عليها «داعش»، من شرق الأراضي السورية وصولاً إلى مدينة الموصل العراقية، يلتقي عند قاسم مشترك يتمثل في إشارات الانتفاضة على حكمه، في حراك مثير للانتباه، ومن شأنه أن يفكّ أسس العلاقات، المعقدة، بينه وبين المكونات المجتمعية المحلية في تلك المناطق.
وشكلت عشيرة الشعيطات المنتشرة في ريف دير الزور عنواناً لبداية «تمرّد» محلي ضد «داعش»، حيث اندلعت اشتباكات عنيفة بين أبناء هذه القبيلة ومسلحين من التنظيم المتشدد، قد تمتد رحاها إلى مدينة الشحيل المجاورة، والتي كانت حتى الأمس القريب مركز ثقل «جبهة النصرة».
وتفيد الانباء الواردة من دير الزور أن القيادي البارز في «داعش» ابو عمر الشيشاني يقود بنفسه حملة عسكرية لإخماد هذا التمرّد، ما يشير إلى خطورة الموقف على «الدولة الإسلامية».
ويخشى «داعش» أن يكون انشغال مسلحيه بالقتال على جبهة الحسكة خلال الأسبوعين الماضيين، قد دفع بعض المتضررين من سيطرته على دير الزور إلى استغلال الفرصة للانتفاض ضدّه والانقلاب عليه، خصوصاً في ظل وجود مؤشرات على قيام بعض هؤلاء المتضررين بتشكيل تنظيمات مسلحة.
ويبدو أن ثمة رابطاً بين الأحداث في دير الزور والمعارك في الحسكة. ومن غير المستبعَد أن يكون هناك تنسيق بين عشائر المدينتين وهي عشائر تنتهي إلى جذور واحدة - بهدف إنهاك «داعش» ومنعه من التمدد.
في الموصل، ثاني أكبر المدن العراقية، قال مصدر أمني ، إنّ اليومين الماضيين شهدا مقتل ثمانية من عناصر «داعش» في ظروف غامضة داخل المدينة، لكن التنظيم لا يزال متكتماً حول هذه العمليات.
وتحدّث قائد ميداني، عرّف عن نفسه باسم «ابو محمد» عن تشكيل تنظيمات مسلحة محلية تضمّ جنوداً وضباطاً سابقين، قامت بعمليات اغتيال لعناصر التنظيم المتشدّد.
ويختصر القائد الميداني طبيعة العلاقة المعقدة بين «داعش» والمكوّنات السياسية والاجتماعية المحلية بالقول «في بادئ الأمر زرع عناصر داعش الثقة في نفوس السكان وحاولوا طمأنتهم بأنهم جاؤوا لرفع الضيم عنهم، الأمر الذي نال رضاً شعبياً، إلا أن ما جرى على الأرض خالف كل ذلك، وظهر أن من دخل الموصل مجموعة مرتزقة من القتلى واللصوص البعيدين كل البعد عن الفكرة».
يذكر أن «داعش» سعى إلى إيجاد بيئة حاضنة في كل من سوريا والعراق بأساليب شتى. ففي العراق، استغلّ التنظيم المتشدد الصراع القائم بين المجموعات المسلحة على اختلاف مشاربها (بعثية، نقشبندية، عشائرية) وبين الحكومة المركزية لتأمين الغطاء اللازم لتوسيع سيطرته. وكان واضحاً منذ البداية أن ثمة تناقضات حادة على المستوى الايديولوجي والاجتماعي بين «داعش» وتلك المكوّنات، ما دفع بكثيرين إلى القول إن الصدام بين «الحلفاء المؤقتين» آتٍ لا محال.
ولم يعد خافياً مدى بشاعة الأعمال التي يقوم بها مسلحو «داعش» في المدن العراقية التي يسيطرون عليها، من الحملة المنظمة لنسف مراقد الأنبياء وتهجير المسيحيين وتهديد العائلات الكردية ومهاجمة كوادر «حزب البعث» المنحلّ وجماعة «النقشبندية»، لتجتمع مجمل هذه العوامل في نواة انتفاضة سياسية وميدانية لاحت بوادرها خلال الأيام الماضية.
وفي سوريا، حاول «داعش» ان يضمن ولاء العشائر المحلية في شرق البلاد من خلال توفير الضمانات اللازمة بعدم التعرّض إلى أبنائها أو الاستيلاء على أراضيها، وذهب أبعد من ذلك بأن عمد إلى إشراك تلك العشائر في واردات الحقول النفطية الواقعة تحت سيطرته. لكن يبدو ان التنظيم المتشدد، وبعد تمدده الاخير، راح يتراجع عن تلك الخطوات، علاوة على لجوئه إلى اقامة الحدود وتطبيق الشريعة انطلاقاً من فهمه الشاذّ لتعاليم الإسلام، ما جعل التناقضات بينه وبين المكونات الاجتماعية تطفو على سطح تلك المنطقة.
ومن غير الواضح بعد ما إذا كانت التطورات الأخيرة بين دير الزور والموصل ستقود إلى تفكيك البيئة الحاضنة لـ«دولة الخلافة». ويبقى الانتظار إلى المنحى الذي ستتخذه التطورات الميدانية في تلك المنطقة المضطربة.
النهایة
المصدر: السفیر
قناتنا على التلغرام : https://t.me/kitabat