صفحة الكاتب : الشيخ محمد مهدي الاصفي (طاب ثراه)

طريق ذات الشوكة
الشيخ محمد مهدي الاصفي (طاب ثراه)

المقالات لا تُعبر عن وجهة نظر الموقع، وإنما تعبر عن رأي الكاتب.

..._1_

{وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ}.

 {لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاَّتَّبَعُوكَ وَلَكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}

لقد طال الطريق، وطالت المحنة بالعاملين للإسلام، خلال العقود الأخيرة، وطال إِبتلاء أبناء الإسلام هنا وهناك.

وفي خضم هذه المحنة أُحب أن أتحدث عن المحن والابتلاءات الطويلة، في تاريخ الحركات الإسلامية، والعاملين في سبيل الله، وعن الطرق والمسافات الطويلة والشاسعة التي يمتحن الله تعالى بها عباده في حركتهم إليه.

فالإسلاميون لا يتعرضون لأول مرة لمحنة طويلة وصعبة، وللحركة على طريق طويل وشاق، وإنّما تقع حركتهم في سياق حركات كثيرة من قبل، من النبيين والصالحين، والصديقين، امتحنهم الله تعالى بمثل هذا الابتلاء العسير، وطالت بهم المحنة، وطال بهم الطريق. والقرآن الكريم يحدثنا عن هذه المسافات الشاسعة والطرق الطويلة والشاقة في حياة العاملين كثيراً.

إذن لكي تطمئن أقدامنا، وتثبت على الطريق العسير، لابد أن نعود إلى كتاب الله لنتساءل عن طبيعة هذه المسافات وعن أعراضها وآثارها ونتائجها في حياة العاملين.
 

المسافات الطويلة:


في كتاب الله نجد آيتين تخصان المسافات الطويلة والشاقة في حياة العاملين، إحداهما في سورة التوبة والأخرى في سورة الأنفال.

آية سورة التوبة:

{لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاَّتَّبَعُوكَ وَلَكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}.

وهذه الآية الكريمة تقرر حقيقتين هامتين في حياة الناس:

الحقيقة الأولى: أنّ روّاد المسافات القصيرة كثيرون {لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاَّتَّبَعُوكَ}.

والعرض القريب: هو المتاع القريب الذي يناله الإنسان من أيسر الطرق، وبأيسر الوسائل، والسفر القاصد: السفر المعتدل المريح الذي لا يكلف أصحابه جهداً كثيرا.

والحقيقة الثانية: إن الناس عندما يطول بهم الطريق وتبعد عليهم الشقة فسيتخلفون ويعتذرون. والشقة: الطريق الطويل الشاق.

وقليل من الناس أولئك الذين يصبرون على السير على الطرق الوعرة والصعبة والشاقة. أما الطرق والمسافات القصيرة فروادها كثيرون.

ولذلك يكثر من الناس الإقبال على (الدنيا)، ويقل دائماً المقبلون على الآخرة، لأن الناس ينالون متاع الدنيا من أيسر الطرق وبأيسر الوسائل، نيلا سريعا. أما متاع الآخرة فلا يناله الناس إلاّ بعد جهد ومشقه وعناء {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ}.

ونحن في مواجهة الظالمين نجد أمامنا خيارين، احدهما يسير وسهل ومريح، والآخر عسير وصعب وشاق.

أما اليسير منهما فهو مصانعة الظالمين، والوصول معهم إلى حدود مقبولة من التفاهم، والاعتراف بوجودهم ليعترفوا لنا ببعض حقوقنا، وهذا هو الطريق اليسير، الذي لا يكلف المؤمنين في أنفسهم وأهليهم وأموالهم كثيراً.

وأما العسير منهما فهو المواجهة والمقابلة وما تتطلبّه من الصبر على الأذى والعذاب في سبيل الله، وما تؤدي إليه أحياناً من انتكاسات صعبة ومرة. وتنطوي هذه الطريقة على رفض الاعتراف بالكيان السياسي للعدو، ورفض التفاهم معه، إلاّ أن يسلم لرب العالمين.

وهذه المواجهة إذا كانت معقولة وقائمة على أسس موضوعية صحيحة تنتهي إلى النصر، وان كانت تكلف أصحابها الكثير من أنفسهم وأموالهم وأهليهم
 

آية سورة الأنفال:

{وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ}

وهذه الآية المباركة نزلت في المسلمين في معركة بدر، وكان أصحاب رسول الله (ص) يتمنون عندما خرجوا من المدينة أن ينالوا الغنيمة من أيسر الطرق وبأيسر الوسائل، ودون أن تنالهم بأساء أو ضراء. وقد وعدهم الله تعالى إحدى الطائفتين أنّها لهم، إِمّا الغنيمة الباردة والعرض قريب. أو النصر على طريق ذات الشوكة، في البأساء والضراء.

وقد كان المسلمون يؤثرون الغنيمة الباردة من تجارة قريش ومتاع الشام الذي كان يحمله معه أبو سفيان من الشام إلى مكة، على الحرب الضارية والشرسة التي واجهها المسلمون في بدر بين مكة والمدينة، وهم يبحثون عن قافلة قريش التجارية والمحملة بمتاع الشام الذي كان يتمناه المسلمون يومذاك.

{وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ}.

و(ذات الشوكة) هي الطرق الشائكة والصعبة التي يمتحن الله تعالى بها عباده في حركتهم إليه.

وإذا ضممنا آية التوبة إلى آية الأنفال نجد أنّ متطلبات الطرق والمسافات البعيدة والشائكة هي (الصبر والوعي)، فإن هذه المسافات تتطلب من العاملين الصبر والثبات والمقاومة، كما تتطلب منهم الوعي والحذر، فإن الحركة على الطرق الشائكة (ذات الشوكة) لابد أن تقترن بالوعي والحذر بطبيعة الحال.

وقبل هذا وذاك لابد من الثقة بالله والاتكال على الله، والاستعانة بحول الله وقوته، للعاملين على هذه الطرق، ومن دون ذلك لا يستطيع الإنسان مهما كان صبره ووعيه أن يواصل الحركة على هذه الطرق، وهو معنى (الصلاة).

المسافات الطويلة

المسافات الطويلة تكشف نقاط الضعف في نفوس العاملين. فلا يستطيع الإنسان أن يكتشف نقاط الضعف في نفسه قبل الابتلاء والحركة. فإذا دخل ساحة الابتلاء والحركة عرف نقاط الضعف وشخّصها وعرف كيف يتعامل مع هذه النقاط، وكيف يسدّها ويعالجها.

وهذا الاكتشاف لا يتم إلاّ عبر المحنة والمعاناة والابتلاءات وفي المسافات الطويلة والحركات ذات الشوكة.

هناك يستطيع الإنسان أن يعرف نفسه جيداً، ويعرف نقاط الضعف ونقاط القوة في نفسه، ويتمكن من تسديد نقاط الضعف في نفسه.

إن الإنسان قبل أن يقدم على تسلق الجبال الصعبة لا يعرف شيئاً كثيراً عن نقاط العجز والضعف في جسمه وأجهزته الباطنية، فيتصور أنّه قادر على هذا التسلق، فإذا بدأ حركة التسلق وباشر ذلك ظهرت له بالتدريج نقاط الضعف والعجز في جسمه وعضلاته وعظامه وقلبه ورئته وعرف من جسمه وجوارحه وأجهزته الباطنية ما لم يكن يعرف من قبل.

ولذلك فإن من المفيد أن يدخل الإنسان دورة اختبارية قبل أن يبدأ بمثل هذه الحركات والأعمال الصعبة مهما كان نوع هذه الحركات والأعمال، من قبيل التسلق، أم من قبيل المواجهة العسكرية الميدانية، أم من قبيل المواجهة السياسية والحضارية والعقائدية.

ولعل من ذلك فترات الابتلاء الصعبة في تاريخ الأنبياء التي تسبق الصراع العقائدي والحضاري الحاسم بين الأنبياء عليهم السلام وأقوامهم.

يقول تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء}

وليس من شك أن البأساء والضراء الذين يأخذ بهما الله تعالى الأنبياء (ع) ومن يقوم معهم من المؤمنين يعدهم لخوض الصراع الحاسم بين التوحيد والشرك، ويرفع درجة كفاءتهم في الصمود في هذا الصراع العنيف والضاري.

وهذه إحدى النتيجتين، وهي نتيجة تخص الكيان النفسي للفرد.

والنتيجة الأخرى للحركات ذات الشوكة تخص الكيان الجمعي للأمة الناهضة بحركة التوحيد. فإن المسؤوليات الصعبة لرسالة التوحيد تتطلب من الأمة الناهضة بهذه الحركة أن تكون ذات كفاءة عالية في المقاومة والصمود. وان وجود العناصر الضعيفة في جسم الأمة يقيّدها ويبطئ حركتها، ويسلبها المقاومة في مواجهة التحديات.

ولا شيء أضر على الأمة الناهضة بحركة التوحيد في ظروف الصراع الضاري من الترهّل. ولا شيء أكثر ضرورة في تكوين الأمة النفسي في هذه المرحلة من صلابة النواة الأولى التي تحمل مسؤولية رسالة التوحيد.

ومثل هذه الابتلاءات تمنح النواة الأولى للدعوة هذه الصلابة والمتانة والاستحكام الذي تحتاجه الدعوة في المراحل الأولى من صراعها مع أئمة الشرك والكفر.

ولا يقتصر الأثر السلبي للعناصر الضعيفة في جسم الدعوة في ضعفها وبطئها فقط، فإن هذه العناصر بالإضافة إلى بطئها وركودها تعوق حركة الآخرين وسيرهم.

وحالات اليسر والرفاه تخفي عادة العناصر الضعيفة التي تُعَوِّق حركة الدعوة، وحالات الشدة والعسر تفرز هذه العناصر، وتميزها عن العناصر القوية والكفوءة القادرة على مواجهة التحديات وتجاوزها.

إن طريق ذات الشوكة يشطر الناس شطرين: الصادقين والكاذبين وفي حالات اليسر والرفاه يختفي الكاذبون في صفوف الصادقين، فلا يمكن التمييز بينهما إلاّ بمشقة وصعوبة. والتجمّع الذي يجمع هذا الخليط من الصدق والكذب تجمّع قليل الكفاءة في مواجهة التحديات إن لم نقل انه عديم الكفاءة.
من كتاب على طريق ذات الشوكة


قناتنا على التلغرام : https://t.me/kitabat


الشيخ محمد مهدي الاصفي (طاب ثراه)
 (للدخول لصفحة الكاتب إضغط هنا)

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2024/02/10



كتابة تعليق لموضوع : طريق ذات الشوكة
الإسم * :
بريدك الالكتروني :
نص التعليق * :
 



حمل تطبيق (كتابات في الميزان) من Google Play



اعلان هام من قبل موقع كتابات في الميزان

البحث :





الكتّاب :

الملفات :

مقالات مهمة :



 إنسانية الإمام السيستاني

 بعد إحراجهم بكشف عصيانها وخيانتهم للشعب: المرجعية الدينية العليا تـُحرج الحكومة بمخالفة كلام المعصومين.. والعاصفة تقترب!!!

 كلام موجه الى العقلاء من ابناء شعبي ( 1 )

 حقيقة الادعياء .. متمرجعون وسفراء

 قراءة في خطبة المرجعية : هل اقترب أَجلُ الحكومةِ الحالية؟!

 خطر البترية على بعض اتباع المرجعية قراءة في تاثيرات الادعياء على اتباع العلماء

 إلى دعاة المرجعية العربية العراقية ..مع كل الاحترام

 مهزلة بيان الصرخي حول سوريا

 قراءة في خطبة الجمعة ( 4 / رمضان/ 1437هـ الموافق 10/6/2016 )

 المؤسسة الدينية بين الواقع والافتراء : سلسلة مقالات للشيخ محمد مهدي الاصفي ردا على حسن الكشميري وكتابيه (جولة في دهاليز مظلمة) و(محنة الهروب من الواقع)

 الى الحميداوي ( لانتوقع منكم غير الفتنة )

 السيستاني .. رسالة مهدوية عاجلة

 من عطاء المرجعية العليا

 قراءة في فتوى الدفاع المقدس وتحصين فكر الأمة

 فتوى السيد السيستاني بالجهاد الكفائي وصداها في الصحافة العالمية

 ما هو رأي أستاذ فقهاء النجف وقم المشرّفتَين السيد الخوئي بمن غصب الخلافة ؟

 مواقف شديدة الحساسية/٢ "بانوراما" الحشد..

أحدث مقالات الكتّاب :


مقالات متنوعة :





 لنشر مقالاتكم يمكنكم مراسلتنا على info@kitabat.info

تم تأسيس الموقع بتاريخ 1/4/2010 © محمد البغدادي 

 لا تتحمل الإدارة مسؤولية ما ينشر في الموقع من الناحيتين القانونية والأخلاقية.

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net