دروس من عاشوراء للسيد محمد باقر السيستاني

إنّ واقعة عاشوراء واقعة ملهمة تعطي عند استحضارها والإمعان فيها دروساً مختلفة عملية لكل مؤمن، بل ولكل إنسان في جميع المعاني الراقية الراشدة والحكيمة والأخلاقية والإيمانية، ومن هذه الدروس:
١- تبصّر سبيل الحق والرشد في الفتن والشبهات الاجتماعية والسياسية، فقد كان المجتمع آنذاك مبتلى بالشبهة في أمر التعامل مع السلطة القائمة رغم ما كان يمثلها من استبداد واستهتار بالمبادئ الإيمانية والعادلة. فهل تجب المداراة معها حفاظاً على النفس والدم وتجنباً عن محاذير القتال بين المسلمين. أم يجب الوقوف بوجهها والصدام معها. ولقد قدم جمع من قرابة الإمام وغيرهم من الوجوه المشورة للإمام (ع) بالبيعة مع السلطة، إلا أنّ الامام (ع) رأى أنّه لا يصح ذلك منه وهو سيد أهل البيت (عم) وسبط رسول الله (ص) والشخصية الأولى في المجتمع الإسلامي بعد ما بلغ الاستبداد والاستهتار بالدين والعدالة إلى هذا المستوى الفظيع الذي تمثل في تولي يزيد الخلافة مع سلوكياته المستهترة والشائنة المعروفة في التاريخ.
٢- الإيمان بالله سبحانه والدار الآخرة إيماناً مؤكداً يستتبع التسليم والصبر والرضا بقضاء الله سبحانه وقدره وتهون معه كل تضحية وفداء حتى لو اقتضى بذل النفس والولد والقرابة والأزواج وكل ما يملكه المرء، عندما تستوجب الوظيفة الإيمانية اتخاذ موقف يقتضي ذلك، ويمثل هذا الإيمان كلمات الإمام (ع) في ذكر الله تعالى والدار الآخرة دائماً وتهوين كل ما نزل به ما دام أنّه بعين الله سبحانه وفي محضره. وجعلها الغاية من وراء هذه التضحية في سبيل الدين وكذلك تمثل هذا المبدأ في سيرة أقاربه وأصحابه وأهل بيته.
٣- الأخلاق العالية بمختلف أصنافها من الحلم والمروءة والوفاء والصبر والمواساة فمشاهد واقعة كربلاء مليئة بهذه المعاني، ومن مظاهر الحلم الفريدة للغاية تعامل الإمام (ع) مع الحر بن يزيد مع ما صدر منه من قبل من الصدود المؤذي للإمام وأهل بيته وأصحابه، ومن مظاهر الوفاء وفاء المأموم للإمام بالحق في أحلك الظروف وأصعبها كما عبرت عنه كلمات أصحابه (ع) جميعاً. وكذلك وفاء الأخ لأخيه بالحق ولأخته، ووفاء الأخت لأخيها، ووفاء الزوجة لزوجها إلى غير ذلك مما تجلّى في كل مشهد من مشاهد هذه الواقعة.
٤- الكمالات النفسية بأنواعها من قبيل الشجاعة البالغة والعزيمة الأكيدة وعزة النفس والارتقاء عن الأمور الوضيعة والعابرة ورباطة الجأش في الشدائد، وعدم الخضوع للظالمين، وذلك أيضاً ملأ هذه الواقعة وسيرة الإمام وأصحابه وأهل بيته فيها.
٥- وجوه العظة والاعتبار التي تقوي روح الحكمة في داخل الإنسان، وهي كثيرة جداً، منها عموم الابتلاء في هذه الحياة وشموله للأصفياء من عباد الله سبحانه حيث نجد أنّ الله سبحانه ابتلى الإمام (ع) ومن معه وهم صفوة الخلق بأنواع من الابتلاء، مما يجعلهم أسوة للمؤمنين وسائر الناس في الالتفات إلى سنن هذه الحياة وما طبعت عليه من الابتلاء وما ينبغي للمرء من الصبر والتسليم لله سبحانه والقناعة والاستحضار لمواقع النعمة في جميع الأحوال ومختلف صروف الحياة وظروفها، ومن جملتها: غرور هذه الحياة وسرعة زوالها، مما ينبه المرء على أن لا يجعلها غاية ولا ينصب العلو فيها هدفاً، بل يستثمرها على النحو الأمثل للحياة الباقية لينال كرامة الله سبحانه في هذه الحياة وما بعدها. ولقد تعلق أناس ممن قاتل الحسين (ع) طمعاً في دنيا زائلة لم ينالوها فخسروا بذلك الآخرة والدين، وفي ذلك عبرة للمرء في أن لا يهون على نفسه المظالم والمعاصي طمعاً في التوفيق للتوبة أو الحصول على مغنم، وابتلاءات الحياة متماثلة في الأزمان كلها ولكن تختلف صورها.
٦- تكريم الله سبحانه لأوليائه في حياتهم ومماتهم حيث نجد أنّ للإمام (ع) كرامات عديدة في ضمن هذه الواقعة منها استجابة دعائه على بعض من تعرض له (ع) تعرضاً قبيحاً، كما أكرمه بموقفه لله سبحانه بعد مماته بأن جعله إماماً ونبراساً خالداً ومعيناً لا ينضب في طريق الدين والحق والإنسانية وكذلك الحال في أهل بيته (ع) واصحابه.
٧- أهمية الدين والعدل ومراعاة القيم الدينية والإنسانية مثل العدل والصلاح الاجتماعي ورعاية العفاف والحجاب والإيثار وتحمل المرء للمسؤولية والتسليم بالحق وغيرها.
 
وإنّ الإنسان المؤمن، بل كل إنسان ليجد حقاً في تفاصيل هذه الملحمة مصدراً ملهماً للرشد والحكمة والإيمان والعزيمة والصبر والثقة بالله سبحانه والارتقاء عن المادة وسائر المعاني النبيلة في كل موقف يتعرض له في هذه الحياة ولاسيما المواقف الصعبة .
 
وقد لاحظنا بالأمس القريب كيف أنّ الشعب العراقي بجميع أصنافهم رجالاً ونساءً من أولاد وآباء وأمهات وأخوات استلهم من هذه الثورة معاني العز والكرامة والثبات والصبر وتأتى له دحر الجماعات المسلحة الضالة التي أرادت قهرهم وتحقيرهم وغصب أموالهم فاستلهموا من ثورة الحسين (ع) ما أحرزوا به صلاحهم وصلاح أهاليهم في هذه الحياة كما نالوا به الدرجات العلى عند الله سبحانه.

  

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2021/08/15



كتابة تعليق لموضوع : دروس من عاشوراء للسيد محمد باقر السيستاني
الإسم * :
بريدك الالكتروني :
نص التعليق * :
 

أحدث التعليقات إضافة (عدد : 1)


• (1) - كتب : قاسم الاسدي ، في 2021/08/19 .

كم نخجل من أنفسنا عندنا يقولون حرمله بن كاهل الاسدي قاتل الرضيع لعنه الله عليك يا حرمله بن كاهل الاسدي الوالبي




حمل تطبيق (كتابات في الميزان) من Google Play



اعلان هام من قبل موقع كتابات في الميزان

البحث :



أحدث التعليقات كتابة :



  علّق سعدون الموسى ، على أساتذة البحث الخارج في حوزة النجف الأشرف - للكاتب محمد الحسيني القمي : الله يحفظهم ذخرا للمذهب

 
علّق احمد السعداوي الزنكي ، على العشائر الشيعية في ناحية "السعدية" بمحافظة ديالى العراقية تتصدى لهجوم تنظيم "داعش" الإرهابي : كلنا سيوف بيد الشيخ عصام الزنكي ابن عمنا وابن السعديه الزنكيه الاسديه

 
علّق سلام السعداوي الاسدي ، على نَوالُ السَّعْداويُّ بينَ كَيْلِ المَدِيحِ وَكَيْلِ الشَّتائم! - للكاتب زعيم الخيرالله : نحن بيت السعداوي الزنكي الاسدي لايوجد ترابط بيننا مع عشيره السعداوي ال زيرج

 
علّق جعفر عبد الكريم الحميدي ، على المرجعية الشيعية هي صمام الأمان  والطريق لأهل البيت - للكاتب علي الزين : لقد ابتليت الأمه الإسلامية في زماننا َكذلك الا زمنه السابقة بكثير ممن يسعون إلى الإهانة إلى الدين او المذهب. َولاغرابة في الأمر. هنالك في كل زمان حاقدين اَو ناقصين. َوبسبب ماهم فيه من نقص او عداء. يوظفون عقولهم لهدم الدين او المذهب.. لعتقادهمان ذلك سوف يؤدي إلى علو منزلتهم عندالناساوالجمهور.. تارة يجهون سهامهم ضد المراجع وتارة ضد الرموز.. حمى الله هذا الدين من كل معتدي.. أحسنت أيها البطل ابا حسين.. وجعلكم الله ممن تعلم العلم ليدافع او من أجل ان يدافع عن هذا الدين العظيم

 
علّق نداء السمناوي ، على لمحة من حياة الامام الحسن المجتبى عليه السلام - للكاتب محمد السمناوي : سيضل ذكرهم شعاع في طريق الباحثين لمناقبهم احسنت النشر

 
علّق علاء المياحي ، على جريمة قتل الوقت. - للكاتب إيزابيل بنيامين ماما اشوري : احسنتم سيدتي الفاضلة وبوركت جهودكم ..كنت اتمنى ان اعرفكم واتابعكم ولكن للاسف الان قد علمت وبدأت اقرأ منشوراتكم..دكمتم بصحة وعافية

 
علّق محمد مصطفى كيال ، على الأنوار - للكاتب إيزابيل بنيامين ماما اشوري : {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [النور35] . انه الله والنبي والوصي.

 
علّق منير حجازي ، على الحشد الشعبي يعلن بدء عملية كبرى لتجفيف هورة الزهيري آخر معاقل الإرهاب في حزام بغداد : تخريب البيئة وخلق بيئة للتصحر عملية غير انسانية من قبل دولة المفروض بها تمتلك الامكانيات الجوية الكبيرة التي تقوم بتسهيل مهمة اصطياد الارهابيين والقضاء عليهم . يضاف إلى ذلك ما هو دور القوة النهرية التي تتجول في دجلة والفرات والحبانية وغيرها . ما بالكم امعنتم في ارض العراق وموارده تخريبا . سبب انقطاع الامطار هو عدم وجود المناطق الرطبة الموازية التي تغذي الفضاء بالبخار نتيجة لقلة المياه على الأرض .

 
علّق سلام الجبوري ، على مظلومية الزهراء عليها السلام في مصادر الشيعة الإمامية قراءة تحليلية موجزة - للكاتب السيد زين العابدين الغريفي : السلام عليكم سيدنا نطلب من سماحتكم الاستمرار بهذه البحوث والحلقات لاجل تبصير الناس وتوعيتهم

 
علّق عشيره السعداوي الاسديه ال زنكي ، على نَوالُ السَّعْداويُّ بينَ كَيْلِ المَدِيحِ وَكَيْلِ الشَّتائم! - للكاتب زعيم الخيرالله : عشيره السعداوي في مصر ليس كما هيه بيت السعداوي ال زنكي الاسديه

 
علّق دلشاد الزنكي خانقين ، على العشائر الشيعية في ناحية "السعدية" بمحافظة ديالى العراقية تتصدى لهجوم تنظيم "داعش" الإرهابي : السلام عليكم نحن عشيره الزنكي في خانقين واجدادي في السعديه وحاليا متواصلين مع الزنكنه وقبل ايام اتصل علينا الأخ وابن العم ابو سجاد الاسدي من بغداد ويرحب بنا الشيخ محمد لطيف الخيون قلت له ان شيخنا اسمه الشيخ عصام الزنكي قال لي ان الشيخ عصام تابع لنا

 
علّق حسين سعد حمادي ، على صحة الكرخ / معهد الصحة العالي - الكاظمية يعقد الاجتماع الدوري لمجلس المعهد لمناقشة المصادقة على قوائم الدرجات للامتحانات النهائية و خطة القبول للعام الدراسي القادم - للكاتب اعلام صحة الكرخ : كل التوفيق والنجاح الدائم في جميع المجالات نعم الأساتذة نعم الكادر التدريسي نعم الكادر الإداري وحتى الكوادر الأمنية ربي يحفظكم جميعا وفقكم الله لكل خير

 
علّق حامد الزنكي السعداوي ، على العشائر الشيعية في ناحية "السعدية" بمحافظة ديالى العراقية تتصدى لهجوم تنظيم "داعش" الإرهابي : الف اهلا بالبطل النشمي ابن السعديه الشيخ عصام زنكي

 
علّق منير حجازي ، على العدل : 90% من احكام الاعدام لم تنفذ لهه الاسباب : المسجونون في سجن الحوت وغيره ممن حُكم عليه بالاعدام ولم يُنفذ ، هؤلاء المجرمون قاموا بتنفيذ حكم الاعدام بحق نصف مليون مواطن ومن دون رحمة او شقفة او تمييز بين طفل وامرأة وشيخ وشاب. ناهيك عن دمار هائل ومروّع في الممتلكات. المجرم نفذ حكم الاعدام بالشعب . ولكن هذا المجرم لا تزال الدولة تطعمه وتغذيه وتسهر على امنه وحمايته.ويزوره اهله ، ويتقلى المكالمات التلفونية. إنما تم الحكم بالاعدام عليه لاعترافه بجرمه ، فما معنى درجة قطعية ، وتصديق رئاسة الجمهورية الكردية . من عطّل حدا من حدود الله كان شريكا في الجرم.

 
علّق سعد الديواني ، على مظلومية الزهراء عليها السلام في مصادر الشيعة الإمامية قراءة تحليلية موجزة - للكاتب السيد زين العابدين الغريفي : احسنت الرد على الصرخية اعداء الزهراء عليها السلام الله يحفظكم ويحفظ والدكم السيد حميد المقدس الغريفي .

الكتّاب :

صفحة الكاتب : عادل الموسوي
صفحة الكاتب :
  عادل الموسوي


للإطلاع على كافة الكتّاب إضغط هنا

الملفات :

مقالات مهمة :



 إنسانية الإمام السيستاني

 بعد إحراجهم بكشف عصيانها وخيانتهم للشعب: المرجعية الدينية العليا تـُحرج الحكومة بمخالفة كلام المعصومين.. والعاصفة تقترب!!!

 كلام موجه الى العقلاء من ابناء شعبي ( 1 )

 حقيقة الادعياء .. متمرجعون وسفراء

 قراءة في خطبة المرجعية : هل اقترب أَجلُ الحكومةِ الحالية؟!

 خطر البترية على بعض اتباع المرجعية قراءة في تاثيرات الادعياء على اتباع العلماء

 إلى دعاة المرجعية العربية العراقية ..مع كل الاحترام

 مهزلة بيان الصرخي حول سوريا

 قراءة في خطبة الجمعة ( 4 / رمضان/ 1437هـ الموافق 10/6/2016 )

 المؤسسة الدينية بين الواقع والافتراء : سلسلة مقالات للشيخ محمد مهدي الاصفي ردا على حسن الكشميري وكتابيه (جولة في دهاليز مظلمة) و(محنة الهروب من الواقع)

 الى الحميداوي ( لانتوقع منكم غير الفتنة )

 السيستاني .. رسالة مهدوية عاجلة

 من عطاء المرجعية العليا

 قراءة في فتوى الدفاع المقدس وتحصين فكر الأمة

 فتوى السيد السيستاني بالجهاد الكفائي وصداها في الصحافة العالمية

 ما هو رأي أستاذ فقهاء النجف وقم المشرّفتَين السيد الخوئي بمن غصب الخلافة ؟

 مواقف شديدة الحساسية/٢ "بانوراما" الحشد..

أحدث مقالات الكتّاب :





 لنشر مقالاتكم يمكنكم مراسلتنا على info@kitabat.info

تم تأسيس الموقع بتاريخ 1/4/2010 © محمد البغدادي 

 لا تتحمل الإدارة مسؤولية ما ينشر في الموقع من الناحيتين القانونية والأخلاقية.

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net