• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : شياطينٌ.. على باب الزهراء! .
                          • الكاتب : شعيب العاملي .

شياطينٌ.. على باب الزهراء!

 بسم الله الرحمن الرحيم

(كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ‏ يَوْمَ الْقِيامَةِ) (آل عمران185)

لقد روينا عن يَعْقُوبُ الْأَحْمَرُ قوله: 
دَخَلْنَا عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع نُعَزِّيهِ بِإِسْمَاعِيلَ، فَتَرَحَّمَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ:
إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ نَعَى إِلَى نَبِيِّهِ ص نَفْسَهُ فَقَالَ: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ‏)، وَقَالَ: (كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ) (الكافي ج3 ص256)

التعزيةُ على الميّت سُنَّةٌ يلتزم بها جلُّ بني البشر، وتحثُّ عليها الشرائع السماوية، فهذا يعقوب الأحمر أحد أصحاب الإمام الصادق عليه السلام يعزيه مع جمعٍ من المؤمنين بابنه اسماعيل.. 

وقد روينا عن رسول الله (ص) قوله: مَنْ عَزَّى مُصَاباً كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْتَقِصَ مِنْ أَجْرِ الْمُصَابِ شَيْئاً (الكافي ج‏3 ص205)

رسولُ الله في حياته إذاً يحثُّ على تعزية المُصاب، وهو العالم بأنّه سيأتي يومٌ يتوفّاه الله فيه إليه، وكان أن جاء ذلك اليوم، حين استأذن ملك الموت على سيدّ الكائنات وخير المخلوقات، ثم قبضه (ص).

عن الباقر عليه السلام:
لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ص بَاتَ آلُ مُحَمَّدٍ ع بِأَطْوَلِ لَيْلَةٍ، حَتَّى ظَنُّوا أَنْ لَا سَمَاءَ تُظِلُّهُمْ وَلَا أَرْضَ تُقِلُّهُمْ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص وَتَرَ الْأَقْرَبِينَ وَالْأَبْعَدِينَ فِي اللَّهِ (الكافي ج‏1 ص445).

أطولُ ليلةٍ على آل محمد، فَقدُ الرسول خطبٌ جليل عظيم.. 
لكن هل توقع آل محمدٍ تعزيةً من الأمة تخفِّفُ عنهم حزنهم؟! 
إنّهم العالمون بمآل الأمور، وقد ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فكانت أطول ليلة عليهم.

لقد ورد في الحديث: كَفَاكَ مِنَ التَّعْزِيَةِ بِأَنْ يَرَاكَ صَاحِبُ الْمُصِيبَةِ (من لا يحضره الفقيه ج‏1 ص174).

فهل أرادت الأمّة أن تمتثل لمؤدّى هذا الحديث، وتعزّي آل محمدٍ عليهم السلام، فجاءت إلى باب الدار بالحطب لتحرقه؟!

أوليس في رؤية صاحب المصيبة للمعزّي كفايةٌ؟! 
فها هي الأمة قد اجتمعت لتعزّي الزهراء عليها السلام بأبيها.. بالحطب والنيران..

إنّ لكلّ حزنٍ حدّاً وأَمَداً، ثم يخفف الله عن صاحبه حدّه، ويقصِّرُ أمده.. 

لكن حزنَ الزهراء من صنفٍ آخر..
إنّه حُزنٌ لا يمكن لنا أن ندرك حقيقته وجوهره وأبعاده.
كيف وقد ورد في الحديث أن حزنها (لا يعلمه إلا الله)!
أفهل محلُّها من النبي كمحلّنا منه حتى يكون حزنها كحزننا؟ أم معرفتها بالنبي كمعرفتنا به؟! وهي بضعته وهدية الله تعالى إليه..

في الحديث الشريف: 
إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا قَبَضَ نَبِيَّهُ ص دَخَلَ عَلَى فَاطِمَةَ ع مِنْ وَفَاتِهِ مِنَ الْحُزْنِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهَا مَلَكاً يُسَلِّي غَمَّهَا وَيُحَدِّثُهَا (الكافي ج‏1 ص240).

إنّه جبرئيل: كَانَ جَبْرَئِيلُ (ع) يَأْتِيهَا فَيُحْسِنُ عَزَاءَهَا عَلَى أَبِيهَا (الكافي ج‏1 ص241).

حزنها لا يعلمُه إلا الله عز وجلّ، فمهما تَخَيَّلنا وتَصَوّرنا لن نتمكن من معرفة ما انحصرت معرفته بالله تعالى، فأرسل الله تعالى جبريل يُحسنُ عزاءها.. 
لكنّ الأمّة ما قبلَت بعزاء جبرائيل وحده، فأحبّت أن تشاركه في عزائها.. فاجتمعت على باب دارها!

هذه الدار التي كان رسول الله (ص) يستأذن قبل الدخول إليها، كما يروي عمران بن الحصين واقعة ذهابه مع رسول الله (ص) إلى باب فاطمة:
فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ص وَقُمْتُ مَعَهُ حَتَّى وَقَفَ عَلَى بَابِ فَاطِمَةَ فَقَالَ:
السَّلَامُ عَلَيْكِ يَا بُنَيَّةِ، أَ أَدْخُلُ؟
قَالَتِ: ادْخُلْ يا رَسُولَ اللَّهِ ص.
قَالَ: أَنَا وَمَنْ مَعِي‏؟ (كشف اليقين ص456).

يستأذن (ص) لنفسه ولمن معه، فإذا لم يسمع جواباً، قعد جانباً بأبي هو وأمي!
ينقل ابن عباس فيقول: انْطَلَقْنَا مَعَ النَّبِيِّ ص فَنَادَى عَلَى بَابِ فَاطِمَةَ ثَلَاثاً، فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، فَمَالَ إِلَى حَائِطٍ فَقَعَدَ فِيهِ وَقَعَدْتُ إِلَى جَانِبِهِ (مناقب آل أبي طالب عليهم السلام ج‏4 ص20).

بفقدِهِ فقدت الزهراء أعظمٍ شخصٍ في الوجود، وأعزّهم على قلبها، من لا يدخل عليها بغير استئذان، وها هي الأمة تعزيها..

قال سليم: قلت يا سلمان * * * هل هجموا ولم يك استيذان‏
فقال: اي وعزّة الجبّار * * * وما على الزّهراء من خمار

قُلْتُ لِسَلْمَانَ: أَ دَخَلُوا عَلَى فَاطِمَةَ ع بِغَيْرِ إِذْنٍ؟
قَالَ: إِي وَاللَّهِ، وَمَا عَلَيْهَا مِنْ خِمَارٍ (كتاب سليم بن قيس الهلالي ج‏2 ص587).

هكذا تأتي أمة خاتم الأنبياء لتعزّي بضعته الطاهرة..
يقف القوم على باب الزهراء الذي كان النبي (ص) يأخذ بعضادتيه ويقول: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ (تفسير فرات الكوفي ص339).

فكيف كانت تعزيتهم للزهراء؟
فَقَالَ عُمَرُ لِفَاطِمَةَ: أَخْرِجِي مَنْ فِي الْبَيْتِ وَإِلَّا أَحْرَقْتُهُ وَمَنْ فِيهِ.. وَفِي الْبَيْتِ عَلِيٌّ وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ.
فَقَالَتْ فَاطِمَةُ: أَ فَتُحْرِقُ عَلَى ولدِي؟
فَقَالَ: إِي وَاللَّهِ، أَوْ لَيَخْرُجُنَّ وَلَيُبَايِعُنَّ (الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف ج‏1 ص239).

اجتمعت الشياطين على باب الزهراء.. بعدما فُقد الخاتم (ص)، فكأنّما ما اكتفيا بأذيته في حياته، وإضلال الأمة من بعده، فأرادا تعزية الزهراء بأسلوبهما.. ففعلا ما فعلا.. 

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ: مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيّاً إِلَّا وَفِي أُمَّتِهِ شَيْطَانَانِ يُؤْذِيَانِهِ وَيُضِلَّانِ النَّاسَ بَعْدَه‏ (تفسير القمي ج‏1 ص214).

اللهم إنا ندعوك بما تُدعى به على باب المسجد الحرام: اللهم.. ادْرَأْ عَنِّي شَرَّ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، وَشَرَّ فَسَقَةِ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ.

سلام الله عليك يا زهراء.. أنت من أهل بيتٍ ابتلي الناس بهم.. من أحبّهم نجا.. ومن عزّاهم شاركهم في ثوابهم، ومن اتبع شياطين الإنس الذين أحرقوا بابهم كان لجهنم حطباً.

كَفَاكَ مِنَ التَّعْزِيَةِ بِأَنْ يَرَاكَ صَاحِبُ الْمُصِيبَةِ.. 
هي أيامٌ يرى فيها الإمام الحجّة (ع) من يشترك في عزاء أمّه الزهراء.. كما رأت هي من اشترك في عزاء أبيها النبي (ص).. 

فإنا لله وإنا إليه راجعون.




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=160897
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2021 / 10 / 10
  • تاريخ الطباعة : 2024 / 03 / 29