كورونا كغيره تماما من الأوبئة والطواعين التي اجتاحت العالم ، وضربت بني البشر في الفترات والسنين السابقة، وهو حتما سينتهي ويمر سواء أكان ذلك في المدى القريب أم البعيد.
ورغم حالة الفوضى والهلع الذي يعيشه العالم، والخوف من المجهول، ترى هنالك تضارب في الآراء عن حقيقة هذه الجائحة، فبعضهم يذهب إلى أنه لعبة سياسية ابتكرتها دولة لضرب إقتصاد اخرى، ويذهب آخر إلى إنها مخططات أمريكية خبيثة لكسر شوكة الدول المتقدمة التي باتت تفوق اقتصادها وقدراتها في مجالات مختلفة، وبعيدا عن هذا وذاك، لندع هذه الآراء جنبا ، ونأخذ رأيا اخر ، ربما هو الأرجح بنسبة كبيرة، في كونه "ابتلاء من الله تعالى"، جاء نتيجة لكثرة الظلم والبغي والأذى من الآخرين ، وكثرة العصاة والبعد عنه جل شأنه، وجميعنا يعلم أن الله تعالى ليس بغافل عما يفعل الظالمون ((ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون))، والأمثلة كثيرة جاءت في القرآن الكريم، فكم مرة ابتلى سبحانه أقوام الأنبياء لكثرة عصيانهم، وكم مرة عاقبهم بأنواع العقوبات جزاء بما كانوا يكسبون، وهذه بعض الصور و النماذج في التجارب الابتلائية لبني البشر:
الغرق والطوفان بلاء لقوم نوح لكثرة ذنوبهم وعتوهم ((فأغرقناهم أجمعين))، الريح ابتلاء لقوم عاد لكفرهم بالله تعالى واعراضهم عنه ((واما عاد فاهلكوا يريح صرصر عاتية))، الصيحة ابتلاء لقوم صالح ((انا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر))، الجوع ونقص الأرزاق والخوف ابتلاء لقوم سبأ (وضرب الله مثلا قرية كانت آمنه مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون))
وما هذه الا أمثلة غيرها الكثير في القرآن الكريم، وما ذكرها الله تعالى في كتابه المعظم لكي تكون تذكرة وعبرة لكافة الناس في شتى الأزمنة، لكن السؤال الآن هل هنالك من معتبر ؟!، هل من متعظ؟!
لاحظ اليوم وتحديدا اتحدث عن مجتمعي وفي بلدي العراق، حجم الفساد الإداري والديني و الأخلاقي المستشري بين الناس، فتراهم ينسلخون من كافة القيم والمبادئ الأخلاقية والتعاليم الدينية الإسلامية ، شاهد كمية الإنحلال والجرأة في ارتكاب ما نهى عنه القرآن الكريم، مدى الابتعاد عن الله تعالى والتسكع في المحرمات بشتى انواعها، كثرة الجنايات والجرائم التي يندى لها الجبين ، من الانتحار وقتل النفس وانتهاك الحرمة ، وانتشار الزنا والبغايا ، والسرقة والظلم بغير وجه حق، نزع رداء الستر و الحشمة من فتياتنا واستبدالها برداء الفجور تحت مسمى التطور والتحضر، وغيرها من أفعال البشر المتجبرة من حروب ودمار وقتل للأبرياء ، وارتكاب كل ذلك بلا حياء من الله تعالى، وهذا نفسه ينطبق على بقية المجتمعات العربية والإسلامية في الدول الاخرى، باختصار أصبحنا مجتمعات بعيدة كل البعد عن الله تعالى ، والنتيجة: ((قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم ومن تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون))، وعقوبة الله تعالى ان حلت لتشمل الجميع إلا من رحم، فلعل هذه الجائحة التي سلبت منا أعظم نعم الله تعالى "الصحة والامان"، وجعلتنا رهن الخوف وعدم الاستقرار، هي عقوبة للتأديب والتربية يمكن من خلالها ان تُهذب النفوس وتعود إلى ربها تائبة مستغفرة، فإن في سلب الله تعالى النعم من عباده دلائل على غضبه واعراضه عنهم لعلهم يهتدون ويرجعون اليه((ولقد أخذنا ال فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون))، فلعله سبحانه أيضا أخذنا "بكورونا" الذي لغاية اللحظة لاتوجد بوادر تلوح في الافق على انتهائه، رغم المحاولات الحثيثة لايجاد العلاج الرادع له، للتأديب والتهذيب أو التنبيه والتحذير والتذكير للرجوع إليه ، فالأجدر بنا الان ان نعود إلى طريق الله سبحانه، وندعوه للخلاص، وأن يكون درسا ننتفع من خلاله في البقاء الى جنب الله في كل زمان واوان، لا ان ندعوه الان بتضرع و خشية و خوف لأن ينجينا منه، ثم اذا ما نجانا نعود إلى ما كنا عليه من ارتكاب المعاصي والذنوب واتباع الهوى، فنكون كمن قال الله فيهم (( دعوا الله مخلصين له الدين لئن انجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين، فلما انجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق))، فإن لم نتدارك أنفسنا و نغير أحوالنا و نصلح أوضاعنا، حينها حقا سنكون نحن من ظلمنا انفسنا وسقطنا من عين الله ووقعنا في مصارع السوء واستحقينا عقابه من جديد ((ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام)).
|