الحياة والموت قدران ، هما كالليل والنهار، يأتي أحدهما ليزيح الآخر ويضعفه ثم ينهار أمامه الى أن تأتي اللحظة التي ينتهي فيها الإثنان فلا موت ولا حياة بالمعنى الذي نعرفه وتبقى الامور بيد الخالق الكبير والعالم بالسرائر والخفايا الذي سيقرر اللحظة التي ينهي بها تلك العاصفة .
مررت بسلسلة تجارب طويلة من العذابات والآلام التي علمتني أن الصبر موت بذاته والألم ليس نزهة بل هو تحفيز آخر للحزن وتجرع الغصة التي تتجدد كل يوم وكل لحظة فكل الذين احبهم رحلوا ولم تعد الحياة سوى محطة وهي كذلك في الحقيقة ولكننا لا ندرك ذلك الا حين تحدث الصدمة القاتلة والقاصمة فنتحول الى فلاسفة ومفكرين وآدميين بينما حين نكون في فسحة من العيش تحيط بنا السعادة ويرعانا الاهل والاحبة فنتحاشى التفكير في النهايات والموت .
عندما نمرض بقوة تبدأ الأبواب تنغلق وعندما يشتد المرض نتحسس الموت ونستشعره يقترب ونبدأ في التحول الى كائنات مسالمة وادعة لا تريد سوى ان ترتاح وتطمئن وتهدأ والحقيقة اننا غير ذلك ففي داخل كل واحد منا شيطان وقوة رهيبة من الوقاحة وقلة الادب والذوق وانعدام الضمير والشر المتنقل من حارة الى حارة ومن زقاق الى اخر ولا هم لنا سوى تحصيل ما يمكننا من منافع مادية، تغرينا الحياة بلذائذها ونركض خلف الجمال الزائل ولا نفكر بجمال الروح والخالق والوجود بل بالجمال الذي تقدمه المادة الفانية هو جمال غير حقيقي سرعان مايزول كوجه المرأة حين تشيخ وكالشجرة حين تذبل وتتيبس اغصانها ونحن مثلها لا قيمة لنا حين نكبر ونتهاوى ونصارع المرض والموت .
حين يموت الذين نحبهم تصلنا الرسالة تلو الرسالة ومع مرور الوقت يتكرر وصول تلك الرسالة فلا هي بحاجة الى عناوين بريدية ولا الى مراكز بريد ولا الى تقنيات اتصال بل أنها أشباح تتنقل من مكان الى اخر وتتسارع معنا وتندهش حين ترانا نكابر ونعيش الوقاحة ونؤجل الاعتراف بحتمية النهاية واننا لاشيء بل عدم لا قيمة له ولا تدوم سوى الكلمات الطيبة والافعال الحسنة التي نجود بها على الاخرين من المستضعفين والجياع والمحرومين.الحياة فرصة ومشروع إستثمار يمكن ان تظهر نتائجه وتتحقق مكاسبه بعد نهاية تلك الحياة ولكننا لا نريد ان نقر بذلك بل نتجاهل وننسى ونسعى لتحقيق ما أمكن من منافع وضيعة فانية مثلنا فكلنا الى الفناء والعدم ماضون غير مأسوف علينا وسينسانا الجميع بعد بضعة أشهر وربما يذكرنا احدهم في التفاتة غير مقصودة .
firashamdani57@yahoo.com
|