ما إن سقط النظام القديم عام 2003 حتى بدأت ظاهرة التجاوز على الأملاك الحكومية والخاصة تنتشر انتشار النار في الهشيم، وتغطي مساحات شاسعة من الأراضي والساحات والأبنية والحدائق العامة. وقد اصطلح الناس على تسميتها بالحواسم في إشارة بالغة الدلالة على معركة صدام حسين الأخيرة مع الولايات المتحدة.
وقد هبطت على مدينة البصرة موجات عاتية من المهاجرين هي الثالثة من نوعها خلال نصف قرن، فسكنت أكواخ البلوك والصفيح هذه المرة بدلاً من القصب والبواري التي كانت شائعة من قبل. وبات أفرادها يعيشون في أكثر المناطق أهمية. بل إنهم أصبحوا بمرور الوقت يشكلون أغلبية واضحة في المدينة.
وقد انتظم الكثير من سكان الحواسم في الأجهزة الأمنية، لإضفاء غطاء قوي على وجودهم غير الشرعي. في ما لجأ الباقون للعمل في نظام البسطات المنتشرة في الأسواق الرئيسية، أو في قطاع النقل، وبعض المجالات البسيطة الأخرى.
وإضافة إلى التشويه الكبير الذي أحدثته الحواسم، فإنها خلقت ضغطاً واسعاً على الخدمات والبنية التحتية للمدينة. وغدت مباءات للتلوث والقبح ومصدراً للروائح الكريهة المنبعثة من المجاري المكشوفة. وحالت دون المضي في مشاريع عمرانية كثيرة.
ومع أن أصوات الأهالي ارتفعت بالتذمر من استفحال هذه الظاهرة فإن أحداً في مجالس المحافظات أو الأجهزة الأمنية لم يذكرها بالاسم، لسبب بسيط هو أن معظم هؤلاء ينحدرون من موجات المهاجرين الأولى والثانية القادمة من قرى الأهوار. أما السكان الأصليون فقد غابوا عن المشهد بشكل شبه تام.
وقد فرضت الأعداد الهائلة من المهاجرين طابعاً عشائرياً محكماً على البصرة، المعروفة بطابعها المدني الذي لازمها منذ أكثر من قرن. وبسبب ذلك اضطرت الأقليات الدينية والمذهبية إلى مغادرة العراق نحو الخارج.
والأدهى من ذلك أن البصرة أصبحت، بفضل الحواسم، من أكثر المدن احتضاناً للجريمة في العراق. فقد انتشرت جماعات السطو المسلح على الأفراد والمحلات، وكثرت حوادث اختطاف الأطفال، وازدادت حالات الاستيلاء على رواتب الموظفين. ولم يستطع الموظفون الأجانب الاستغناء عن الشركات الأمنية في تنقلاتهم بعد أربعة عشر عاماً من التغيير.
إن أحياء الحواسم وصمة عار في جبين النظام الجديد. وإذا لم تعمل الحكومة على إعادة المهاجرين الجدد على الأقل، لمواطنهم الأصلية فإن مدينة النفط الغاز الأولى في العراق والمنطقة ستبقى صحراء قاحلة، لا أمل لها في الرفاهية أو التقدم أو الإصلاح. وستكون حاضنة للجريمة واللصوصية والتخلف على مر السنين. |