ثمة تبادل صمت بين الرئيس إردوغان و”داعش” .. فهو لم يبدِ أي حنق على التنظيم العالمي، في حين لم يعلن هذا التنظيم عن مسؤوليته عما نفذ في مطار اسطنبول.. بل إني لم أرَ ذعرا في العالم مما حدث في المدينة التركية الجميلة.. كأنما لا يراد معاقبة “داعش” على ما يقترفه، ومن مفهوم الصمت هذا، إعطاء دفعات جديدة للتنظيم كي يستمر أكثر فأكثر ويتشجع على ارتكاب المزيد. فالولايات المتحدة الأميركية صار لها أن تحدد مواعيد الحياة لهذا التنظيم الإرهابي، كان تقول في بعض إعلامها إنه لو تم تدميره الآن فإنه سيعيش سبعة عشر عاما بين ظهرانينا لأنه موجود بقوة ..
سوف تكثر الأسباب التي سيخترعها العقل الإعلامي الغربي من أجل إبقاء “داعش” على قيد الحياة، وإلا فلماذا لا تقوم تركيا المثخنة بالجراح بالهجوم على مدينة الرقة عاصمة التنظيم الإرهابي وهو لا يبعد عن حدودها أكثر من مئة كيلومتر فقط..؟ ولما يفشل ما سمي “جيش سوريا الجديد” في هجومه على منطقة البو كمال الحدودية السورية مع العراق أمام “داعش” أيضا ولا من مناصر لهذا “الجيش” الأميركي في حلته الجديدة؟
في كل يوم يزداد يقيننا بما رددناه كثيرا من أن التنظيم مولود أميركي إسرائيلي تركي عربي برافعة أوروبية، أي أنه سكن رحم العالمية منذ أن رأى النور، لكنه لولا الدعم الزائد لظل تائها في الصحراء وليس له قوة ومخالب كما امتلكها اليوم، والتقدير الأوفى أنه لولا احتلال الموصل والحصول على الإمكانيات العسكرية الهائلة وعلى الملايين من البنك المركزي، لما تناهى اسمه بهذه الطريقة إلى أسماع العالم، ولما صار قوة كبرى بعدما انضم إليه الآلاف من الشباب المسلم من شتى بقاع الأرض.
ومع ذلك، يمكن معالجته ببساطة والقضاء عليه لو أراد الأميركي والغربي والروسي والعربي والتركي مجتمعين وخلال ساعات فقط .. لكن هؤلاء جميعا متفقون على إبقائه حيا ربما باستثناء الروسي، فهو من مستلزمات المرحلة، بل هو الإسلام الصهيوني، كما هي المسيحية الصهيونية، لزوم ما يلزم من تخريب الواقع العربي، نسفه من الداخل، تدمير بناه، وضعه على سكة الفوضى المدمرة التي ليست منظمة كما يشار إليها.
لم يعد ممكنا تجاوز “داعش”، ولنقل على الطريقة الأميركية الحالة الداعشية التي تغلغلت في عقول مجتمعاتنا العربية وأسرت جيلا بكامله، وقيل قلوب نبضت لوجوده. حتى أطفالنا يرددون اسمه ويخافونه، وصار بالنسبة إليهم المجرم الفتاك .. ثم إننا إعلاميا ساعدناه على النمو والانتشار، فبقدر ما سلطنا الضوء عليه، كانت العديد من الكتابات ضده في خدمته، وبعض من كتب بصدق العبارة، رفع منسوب الإعجاب به مما ساعد على كم الانخراط به.
إنه زمن “داعش” في كل الأحوال .. تنظيم بذر حضوره بيننا، من الميدان إلى داخل المجتمعات، ومعها حالته التي سيطرت على عقول .. ورب قائل قد يقول: بأن مقالي هذا سيوضع في خدمته أيضا .. وكلما طال الزمن دخلنا في صعوبة محو تأثيره على مجتمعاتنا التي فتك بروحيتها وسيغير مع الوقت قيما وأفكارا ونسيجا اجتماعيا وطقوسا .. إنه بلا شك “دين” بملامح جديدة. |