• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : قضية رأي عام .
              • القسم الفرعي : قضية راي عام .
                    • الموضوع : العمامةُ حصيلةٌ ونتيجة .
                          • الكاتب : كريم الانصاري .

العمامةُ حصيلةٌ ونتيجة

سبحان الله ! ياللمفارقة النادرة  ؛ إذ ضمّت محلّتنا القديمة - وعلى مسافةٍ لاتزيد عن أربعمائة متر - بعض أشهر علماء الدين وبعض أشهر المطربين وبعض السياسيّين والتجّار وسواهم ..

فتجد هذا الذي يفخر بعالم الدين وذاك الذي يفخر بالمطربين ؛ انبعاثاً من الزواية التي هو فيها ، حيث كلّ إناءٍ بالذي فيه ينضح ويبين.. 
ورغم أنّ زهو الطفولة قد يزحزحنا نحو التأثّر بشهرة المشهورين أينما حلّت وحطّت لكنّ تقديس عالم الدين كان وكأنّه مولودٌ معنا ، غائرٌ في فطرتنا وبراءتنا ، مهيمنٌ على أحاسيسنا ومشاعرنا ، فنهفو إلى عالم الدين لأنّه الملاذ الآمن والملجأ المطمئن .. لأنّه النمير العذب الذي يمنحنا زلال الأحكام ورقراق العقائد وسلسبيل الأخلاق ..
هكذا نشأنا وتربّينا وتعلّمنا .. وهكذا غرسناها في من حولنا وفي من استطعنا، حتى صدحنا بها عالياً : إنّ في الدين وعلمائه وفضاءاته خيرَ الدنيا والآخرة .
 
لانقول بمقولة علي عبدالرازق ، الذاهب إلى كون الرسالة الإسلاميّة رسالة تربية لاغير .. بل نقول : إنّها رسالة تربية أوّلاً ثم تصطفّ سائر الأُمور حسب الحاجة والضرورة ، وتبعاً للمبنى الفقهي سعةً وضيقاً .
 
إنّ الثقة العالية بالنفس التي نكتسبها من سيرة المعصومين سادات الأنام عليهم السلام ومراجع الدين العظام وسائر الرموز الكرام ، تجعلنا في أرقى درجات الدقّة واليقظة والحذر المتين، وفي أرفع منازل التلقّي والتصديق واليقين ، الآخذة بنا شطر آفاق الصون والذود والانتشار والترسيخ الواعي لقيم الدين ومبادىء الحقّ المبين .
 
وبما أنّنا نؤمن أنّ عالم الدين حاصلٌ ونتيجةٌ وليس بدايةً ومقدّمة .. بمعنى : أنّه حصيلةُ جهدٍ ديني معرفي أخلاقي .. نعم ، هكذا يعرف الناس عالم الدين ، وهكذا عرفوا العمامة والمعمّم منذ القِدَم .. إذن فالعمامة وسيلة ارتباط بين الناس وعالم الدين ، بين ظاهر عالم الدين وباطنه الديني المعرفي الأخلاقي الذي لابدّ أن يتجلّى ويتبلور عبر الممارسة السليمة الفاعلة على الأرض ، فلامجال للتهافت والتناقض بين ظاهر عالم الدين وباطنه المفترَض المؤمَّل .. وبانتفاء الحصيلة المذكورة أعلاه فالموضوع منتفٍ من الأساس .. بل تتجرّد العمامة عن كلّ شيء وتبقى مجرّد قطعة قماش لاتسمن ولاتغني من جوع . لاشكّ أنّها خيبة أملٍ لاتُحمَد عقباها ولاتُجبَر آثارها .
 
إذن لابدّ من گعدات ، جلسات ، استشارات ، نتاجات ، صناعة أفكار ، بلورة مناهج ، ميدنة آراء .. لابدّ من مراجعة وقراءة وفحص وحفر واستقراء ومقارنة وتحليل .. لابدّ من خطىً معرفية تنتهي بنا إلى برنامج عمل نابض بالحركة والحضور الفاعل ؛ فالساعي إلى الخير والهداية والسعادة هو من الناس في الناس إلى الناس .. فكيف بنا بعالم الدين وهو الذي أولى بها ممّن سواه .
 
وممّا يثلج الصدر ويثبّت القلب وينمّي اللبّ أنّنا بفضل رسالتنا ومبادئنا ، بفضل سيرة أوليائنا ، مراجعنا ، نخبنا .. رغم  الآلام والمعاناة والنقص والأخطاء والأخطار اللائي تحيط بنا من كلّ حدبٍ وصوب .. لازلنا ننبض بحيويّة البقاء ونشاط الانتشار ، نزحف ولو ببطء نحو الأمام ، نرتقي ولو بمشقّة قلل المجد العظام ، نذيع ولو بصعوبة قيم الحبّ والسلام ، نعمل ولو بتعثّر من أجل لمّ الشمل والوئام .. أنّنا نطهّر ذواتنا من أدران الحقد والعنف والترويع والحذف والتضليل المشين ، حين نتعلّم  ونعلم أنّ المولى أمير المؤمنين بصمته السماوي الشهير في  ربع القرن المثير إنّما سجّل ملحمة العقلانيّة والحوار والتضحية والإيثار وهكذا سائر الأئمّة الأطهار لأجل أن ترقى قيم السماء وتتعرّى أساليب الظلم والشقاء .
ورغم الثغرات والعثرات الواضحات لكنّا  بقينا أحياء إلى يومنا هذا وسنبقى بإذن الله المتعال ننمو ونزدهر حتى الرمق الأخير .
وليس أمرنا شعاراً خيالياً أو ترفاً فكريّاً نتخبطّ فيه وندور، بل أمرنا أمر الله الموعود ، فنحن نحلّق عالياً بأجنحة الماضي والحال والمآل ،  جذورنا ضاربة في الأعماق السحيقة ، اشعاعاتنا ممتدّة حتى التخوم البعيدة .. إنّها الشجرة المباركة التي تؤتي أُكلها كلّ حينٍ بإذن ربّها .. فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر .
 
وماهذه الحملة المسعورة والهجمة الموبوءة التي يتعرّض لها علماء الدين الكرام ولاسيّما مراجعنا العظام .. إلّا كالرماد الذي تشتدّ به الريح في يومٍ عاصف .. أو كالزَّبَد الذي يذهب جفاءً ويبقى ماينفع الناس ، وهل أصدق مصداقاً من المؤسّسة الدينية المباركة في نفع الناس خيراً وسعادةً وهدايةً ، دنياً وآخرةً ؟!.



  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=78585
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2016 / 05 / 18
  • تاريخ الطباعة : 2025 / 03 / 13