كثيرا ما وصفت عملية دخول الجماهير بأنها غضبة الجياع والمعدمين والفقراء وأعتقد بعد الاسترسال في الحديث نجد غبن لباقي الطبقات الممثلة للشعب، هنا سأواجه سؤالا مهما مفاده ومن قال إن من دخل للبرلمان يمثلون الشعب وفعلا قيلت هذه العبارة قبل عملية الدخول من قبل النائب هيثم الجبوري بأن المتظاهرين ليسوا من الشعب بل هم كتلة سياسية في حين هو يذكر عن نفسه وزملائه النواب المعتصمين يمثلون عشرة ملايين عراقي ،فأي قسمة ضيزى هذه، مئات الآلاف من المتظاهرين إن لم نقل الملايين منهم لا يمثلون الشعب للسبب الذي ذكره هذا النائب بينما السياسي المتهم منذ 2003 أيا كان توجهه تحول إلى الشعب ،وهذا أحد أسباب ومظاهر الانسداد السياسي والاجتماعي في العراق عندما شعر السياسي إنه فوق الشعب وليس منه .ولو أردنا تجاوز ما حدث وتسبب في هذا الانسداد منذ بدء العملية السياسية على يد الأمريكان فلا يمكن لنا أن نتجاوز انتخابات 2010ونتائجها ،فكما نعلم إن هذه الانتخابات انتابتها إشكاليات قانونية وسياسية وقضائية مما أوجدت أزمة على مساحة الولاية الثانية لحكومة السيد المالكي بين الأطراف المعارضة لها وأيضا بينها وبين الفرقاء الذين بتأيدهم تشكلت الحكومة ،وكحالة عامة انتابت الوطن العربي فيما أطلق عليه (الربيع العربي) انطلقت تظاهرات في بغداد وبعض المحافظات العراقية ولوجود بعض المحذورات من اختلاط الأمور وإيجاد ممارسات مرفوضة من قبيل حرق المباني العامة (مجلس المحافظة ومبنى المحافظة ،الكوت في 2011 نموذجا) لم تشترك الوجودات الاسلامية الكبرى فيها لاسيما التيار الصدري ،وقد توقفت تلك التظاهرات لعدم امتلاكها مقومات الديمومة أمام آلة إعلامية ضخمة يمتلكها رئيس الوزراء آنذاك ،نوري المالكي،لكن كان يمكن لرئيس الوزراء أن يجعل من هذا الحدث مرآة عاكسة لما سيئول إليه أمر العراق لكنه سار على مبدأ السير على حافة الهاوية في جميع الملفات ساعدته فورة مالية ضخمة استغلها في صنع وجودات مؤيدة له ولشخصه تحديدا دون العمل على معالجة ملفات ضخمة وكبرى مثل الخدمات المختفية أصلا من الواقع العراقي والأمن الذي تردى من جديد في حين كان أنشودة السيد المالكي ورهطه بعد ضربهم التيار الصدري في الولاية الأولى (صولة الفرسان 2008) وشهدت الولاية الثانية الاغتيالات بالأسلحة الكاتمة للصوت والاختطافات وتوجت بحادثة هروب 1000سجين من سجن (أبو غريب) المركزي قرب بغداد (صيف 2013)في عملية لم يسلط عليها الضوء كثيرا ولا ننسى مهاجمة مديرية مكافحة الارهاب ووزارة العدل ،وصولا لنكبة حزيران 2014باحتلال الموصل وتكريت ومجزرة سبايكر وجرف الصخر والرمادي والفلوجة ومنصات ما سمي بالاعتصام في المناطق السنية والتي استمرت عام كامل من 12/2012إلى 12/2013دون إيجاد حلول جذرية لهذا الحدث الذي هيأ لداعش ودخوله المسلح بهذه الصورة فضلا عن انهيار الواقع الاقتصادي والنقدي جراء انخفاض أسعار النفط وتبديد الأموال في جوانب غير جوانبها الصحيحة مع مشاريع فاشلة ينفق عليها مليارات الدنانير وملايين الدولارات دون تغيير على الواقع ووزارات باتت معاقلا للأحزاب إن لم تبدأ الحالة من الوزير فتبدأ من وكيل الوزير نزولا لأصغر موظف كما إن النظام الإداري تهرأ وتفسخ لعدة عوامل أقلها الفساد الإداري والمالي ناهيك عن الانحدار في المفصل الأهم لكل شعب وأعني به التربية والتعليم ،وحدث بلا حرج عن الواقع الصحي فضلا عن تسييس القضاء بوجود سلطة تشريعية سلب منها حق التشريع قضائيا في الولاية الثانية وتنازلت عنه في بدء ولاية حيدر العبادي ،فكل هذه الإخفاقات لا تخص الجائع فقط بل تخص ويشعر بها كل واع من الشعب العراقي ،لكن الجائع يشعر بها أولا ؛هذه حقيقة نسلم بها ويعاني من تداعياتها أيضا حقيقة لأنه أول من يضحي ولا يستفيد أبدا في كل زمان ومكان ،لكن ليس كل من تظاهر خلال منذ التظاهرة الكبرى في 3/4/2016والتي ألقى فيها زعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر خطابا حذر فيه من اقتحام المنطقة الخضراء وبعدها أعلن برنامجا إصلاحيا شاملا لكل مفاصل ما يسمى بالدولة العراقية والمجتمع وإثر ذلك اعتصم الجمهور الصدري عند بوابات الخضراء واعتصم زعيمهم داخلها إلا إن الاستجابة كانت لا تلبي طموحات الجمهور في أن يعيش الفرد العراقي أسوة بالفرد في أفقر بلد مجاور للعراق.نعم ،الجائعون الفقراء ،المعدمون اشتركوا وبفعالية في التظاهرات لكن يجب ألاّ نظلم الجمهور الواعي من الشعب العراقي ويجب ألاّ نخفي الحقيقة التي تقول إن التيار الصدري يزخر بحملة الشهادات الجامعية العليا ؛الماجستير والدكتوراه ،نعم هم ينحدرون من الطبقة المعدمة والكادحة والفقيرة لكنهم يحسبون على الطبقة الواعية .هنا يطرح سؤال إذا كان التيار يزخر بطبقة واعية فكيف يقتحم رمز السلطة التشريعية ؟ للإجابة على ذلك يجب أن نذكر بأنه لم تبق رمزية لسلطة تشريعية إثر مظاهرة النواب المعتصمين وإهانة أنفسهم أولا ومؤسستهم ثانيا والتعدي على رئيس الوزراء وهذه إهانة كبرى يجب أن تقف عندها الأقلام ولا تتجاوزها .إن بلدا يقف على شفا حفرة من الانهيار ويستخف التشريعيون بجمهور عريض يقف على أبواب مؤسستهم ناهيك عن انتظار باقي طبقات الشعب لما سيقرره البرلمان لكن لأنهم عزلوا أنفسهم وراء الكتل الكوكنريتية فتحولت إلى حاجز عقلي ونفسي واجتماعي بينهم وبين طبقات المجتمع كافة .أما لماذا تصدر الصدريون المشهد فلذلك حكاية أخرى . |