كان رحمه الله ثائرا حرّا.. الثورة عنده نهر واحد يستحمّ به مرّات ومرات..ويبلغ به كل الحقول..حتى في دروسه كان يجسد هذا الإحساس..يثور على الماتن حتى لو كان في عظمة مرتضى الأنصاري..كثيرا ما احتدم نقاش من هذا القبيل حول مسائل شتّى في المكاسب..تختلط الثورة السياسية بالثورة الفقهية في ضميره الثوري العنيد..كان اعتقادي فيه منذ سنوات أنه مرفوع عن حسّه الثوري القلم.. فثورته طهرانية كاملة بطبيعتها مستفزّة ولا نهائية غير قابلة للنقاش..كان يخشى على الثورة من الانقراض..لذا سعى أن يذكي جذوتها حتى لا تخمد وتموت..وحينما اشتدّ الحصار وآمن بأنه لا بدّ من شهيد، قدم نفسه قربانا حتى يجعل من الصمت ضوضاء كونيّا..لقد كان يفكّر قدر ما يعمل..يجتهد في النظر والعمل.. يحبّ قلب الطاولة..مرّة سمعته من بعيد يخطب في مناسبة ما بصوت رفيع..قلت لصديق: من هذا؟ قال: هو الشيخ جهاد..قلت له: هو آخر صديق لا زال يؤمن بالثورة.. ذكرتنا أيها الشهيد المظلوم بأيّام جميلة..لها ما لها وعليها ما عليها..في ليالي من السهر على مائدة الجدل النافع والعقيم معا..على المناظرة والنقاش العلمي الذي كنت متحمّسا له بالليل والنهار..على الإنسان الوديع الذي يربض خلف عنادك الصلب..نعم ، لم يكن من الذين يؤمنون بالمصالحة..ربما كان يائسا..اختار أن يكون شيئا آخر..حاولوا ردعه مرارا..وفي الحقيقة إنّه عناد منطقي..بقدر عناد المحيط..كان منطقه أنّ البنية محكمة الإغلاق..والمشهد معلّب لا يدخله الهواء..والتمركز قاتل لا هامش له..أراد أن يكون ذبحا عظيما في زمن الصمت والقهر..قالوا: لا حلّ..قال لهم: لا صمت..كان يعتبر قول الحق هو عين الوجود..فإذا عزموا على مصادرة حقه في الكلام اعتبر ذلك مصادرة لحقه في الوجود..لكم حاولوا أن يفصلوا بين حقه في الكلام وحقه في الوجود..لكنه من طينة أخرى حيث يتحد القول بالوجود ولا ينفصلان..كان يتطلع لصناعة تاريخ بمكر ثوري..وكان الجلاّد يقاوم بمكره اللاّتاريخي..وهكذا انتصر الدّم على السيف..وأدخلهم في دوامة من القلق والاحتمال..عدنا إلى عصور ما قبل الدولة والحقوق والعهود..الثأر الذي يصنع شهداء هو ثأر فاشل..لأنّ العدالة التاريخية تنصف الشهداء.. ولأنّ الظلم يرجّ الكيانات..فالعدل شرط في الاستقرار والبقاء..والظلم علّة تامة لخراب العمران..لا يوجد تناسب بين التهمة والجزاء وهو أبسط معايير القضاء العادل..ولكن حدث ما حدث..
ارقد بسلام يا شيخ الثائرين..لقد أدّيت ما عليك وكنت وحدك أمة قائمة..أنت اخترت طريق ذات الشّوكة..شمخت أمام جلاّدك وقهرته ولن ينام بعد أن نلت مرادك منه..أحزننا فقدك وفرحنا لشهادتك وانتصارك..فأنت رجل بطل وكريم..فالمجد للشهداء.... |