واحدة من تلك الدروس التي نستفيدها من مدرسة الامام الحسين هو الاستمرار في المطالبة بالحق والإصرار على ذلك وعدم التهاون بالمطالبة به.
تلك المواقف الخالدة التي سطرها ابو عبد الله الحسين (ع)، لم تأتي من فراغ، وانما جائت نتيجة لجذور متأصلة بتأريخ رسالة سيد المرسلين محمد(صلى الله عليه وآله).
فقد كان النبي (ص) عند بدء الدعوة لم يكن متهاوناً في نشر دعوته للناس، ولم يتراجع او يتنازل يوماً واحداً عن المطالبة بذلك الحق المشروع وهو تحرير الناس من عبودية الشرك والضلال الى عبودية الله الواحد القهّار، وهوالطريق الذي يؤدي بالإنسان الى الحرية والعتق من جميع القيود الدنيوية.
وقد حاولت قريش بشتى الوسائل ان تُثني رسول الله عن امره وعن نشر دعوة السماء، إلّا انها فشلت بكل الوسائل التي استخدمتها ضد رسول الله (ص)،
حيث مارست قريش الاساليب التالية ضد النبي وصحبه:
اولاً: سياسة المماطلة.
ثانياً: سياسة القوة والبطش.
ثالثاً: سياسة المقاطعة .
رابعاً: سياسة الحصار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.
خامساً: سياسة التنازل وما شاكل .....
فقد حاولت قريش بشتى الطرق لإيقاف النبي بنشر الدعوة التي جائت تحمل عناوين رفع الظلم عن عبيد الله وتحريرهم من العبودية، ونصرة المظلوم، والإصلاح بجميع معانيه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وترك عبادة الالهة وعبادة الله الواحد الأحد....... فكل هذه الشعارات كان يحملها ابو عبد الله ع ، لأنه ابن الرسالة وهو المسؤول عنها في فترة امامته.
فقد عرضت قريش على رسول الله الأموال، وقالوا له : نجعلكم اثرى رجل في مكة ونعطيك من اموالنا ما تجعلك اغنى رجل في مكة، مقابل ان تترك امر الرسالة والدعوة الى الله. الجواب جاء بالرفض من قبل النبي ص، وحاولوا ان يزوجوه من اجمل بنات مكة والجزيرة مقابل ترك ذلك الامر، جاء الرد من قبل النبي بالرفض.
فجاءوا له بعد ذلك بعرض فيه تنازل من قبلهم حتى على حساب عقيدتهم الفاسدة، وهي انهم طلبوا منه ان يترك عبادة ربه ويقوم ًمعهم بعبادة الهتهم لمدة عام، ثم يقوموا هم بترك عبادة آلهتهم عاماً ويعبدوا إلاه محمد....... وكان الرفض جواباً لهم من قبل رسول الله(صلى الله عليه واله).
وهذا الامر لم يكن متعلقاً بنبينا فحسب،وانما يتعلق بجميع من سبقه من الانبياء والمرسلين، ولذلك باننا نجد تأريخ الانبياء مفعم بالإصرار والثبات من قبلهم، والفتك والقساوة والأذى كانت من قبل اعدائهم الذين عاصروهم انذاك.
ان القضية هي قضية مبدأ وقضية دين وقضية رسالة، فلذلك اننا نجد كل هؤلاء الدعاة ومن سبقهم فانهم ماتوا على طريق الحرية والكرامة والإباء، ولم نجد في تأريخ الانبياء أحداً قد تخلى عن مبدأه واستسلم الى أعدائه طلباً أو طمعاً للمال أو الجاه أو السلطة او ما شاكل......
ونحن اذا تتبعنا سِيَر الانبياء والمرسلين والمصلحين، ونقارنها بسيرة سيد الشهداء فإننا سنجدها سيرة واحدة ونهج واحد واهداف واحدة، والفارق بينهم هو حجم التضحية، ولذلك فإن الدرجات والمقامات تختلف فيما بينهم، وكما ذكرنا في مقالة سابقة فقد بلغ ابو عبد الله(ع) اعلى مقامات التضحية بالمقارنة مع تضحيات كتفة الانبياء والمرسلين، ولذلك فإننا نجد النصوص الواردة عن أهل البيت(ع) حينما يصفون مصيبة أبي عبد الله،وأحد هذه النصوص ورد عن الامام الحسنبن علي(ع)، انه قال: لا يوم كيومك يا ابا عبد الله)، وورد الصادق من اهل البيت(ع) انه قال:( ومصيبتك فاقت كلَّ المصائب)، وهذان النصّان وردا عن الإمامَين(ع) يفيدان الاطلاق والعموم لكل مصائب الدنيا، وفيهما اشارة واضحة الى عِظَمِ تلك المصيبة، ونحن لسنا في مورد المصيبة وانما، ولكننا نتحدث حول إصرار ابي عبد الله الحسين في مواجهة الظلم والظالمين، وفي مواجهة الباطل.............
والسؤال هو : كم استفاد اتباع مدرسة اهل البيت(ع) من ذلك الاصرار الحسيني لطلب الحق والوصول الى تحقيق اهداف شريعة سيد المرسلين ونصرة المظلومين والانتقام وفضح المنافقين والمعتدين ؟
وما هو حجم التنازلات التي قدمها اتباع مدرسة اهل البيت الى مناوئيهم والى اعدائهم وذلك للتشبث بمطامع الدنيا ؟
اننا وجدنا في اصحابنا من اتباع مدرسة اهل البيت وللاسف وجدناهم يستميتون، لا لطلب الحق، وانما لمجاملة اهل الباطل على حساب الحق واهله، وللاسف .