قال الله تعالى عن الكدح وعلاقته بلقاء الله سبحانه "يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ" ﴿الإنشقاق 6) كادح اسم، كدحا اسم، كادح: ساعٍ حريص، أو عامل ناصب. أو جاهد في عملك، و الكدح: السعي الشديد، كادِح إلى ربّـك: جاهدٌ في عملك إلى لقاء ربّـك، يا أيها الإنسان إنك كادح: جاهد في عملك، كدحا فملاقيه: أي ملاق عملك المذكور من خير أو شر يوم القيامة، يا أيها الإنسان إنك ساعٍ إلى الله، وعامل أعمالا من خير أو شر، ثم تلاقي الله يوم القيامة، فيجازيك بعملك بفضله أو عدله.
والكدح يتطلب الحركة لأجل الكسب قال الله تعالى "فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ" (الملك 15) والسعي الى العبادة "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ" (الجمعة 9). والكسب والعبادة مطلوبتان "وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا" (القصص 77). جاء عن الإمام علي عليه السلام: (إنَّ قوماً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لما نزلت الآية: "وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ" (الطلاق 2-3)، أغلقوا الأبواب، وأقبلوا على العبادة، وقالوا: قد كُفينا، فبلغ ذلك النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فأرسل إليهم، فقال: ما حملكم على ما صنعتم؟ فقالوا: يا رسول الله، تكفَّل الله لنا بأرزاقنا فأقبلنا على العبادة، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: إنّه مَن فعل ذلك لم يُستجب له، عليكم بالطّلب). وهذا تأكيد على الكسب مع العبادة وهما خلاصة الكدح للقاء الله عز وجل "يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ" ﴿الإنشقاق 6).
جاء في الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله تعالى "يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ" (الانشقاق 6) تبيّن الآية معالم طريق الحياة للإنسان. (الكدح) على وزن مدح السعي و العناء الذي يخلق أثرا على الجسم و الروح، و يقال: ثور فيه كدوح، أي آثار من شدّة السعي. و جاء في تفسير الكشّاف و روح المعاني و تفسير الفخر الرازي: الكدح: جهد النفس في العمل و الكد فيه حتى يؤثر فيها، من كدح جلده: إذا خدشه. و الآية تشير إلى أصل أساسي في الحياة البشرية، فالحياة دوما ممزوجة بالتعب و العناء، و إن كان الهدف منها الوصول إلى متاع الدنيا، فكيف و الحال إذا كان الهدف منها هو الوصول إلى رضوان اللّه و نيل حسن مآب الآخرة؟ فالحياة الدنيا قد جبلت على المشقة و التعب و الألم، حتى لمن يرفل بأعلى درجات الرفاه المادي. و ما ذكر (لقاء اللّه) في الآية إلّا لتبيان أنّ حالة التعب و العناء و الكدح حالة مستمرة إلى اليوم الموعود، و لا يتوقف إلّا بانتهاء عجلة حياة الدنيا، و لا فرق في توجيه معنى «اللقاء» سواء كان لقاء يوم القيامة و الوصول إلى عرصة حاكمية اللّه المطلقة، أو بمعنى لقاء جزاء اللّه من عقاب أو ثواب، أو بمعنى لقاء ذاته المقدسة عن طريق الشهود الباطني. نعم، فراحة الدنيا لا تخلو من تعب، و الراحة الحقة. هناك، حيث ينعم الإنسان بين فيافي جنان الخلد. و كان نداء الآية مخاطبا عموم «الإنسان»، ليشير إلينا بأن اللّه عزّ و جلّ قد وضع القدرة و القوّة اللازمة لهذه الحركة الإلهية المستمرة في وجود و تكوين هذا المخلوق، و الذي جعل من أشرف المخلوقات قاطبة. و استعمال كلمة (ربّ) فيه إشارة إلى ثمّة ارتباط ما بين سعي و كدح الإنسان من جهة و ذلك البرنامج التربوي الذي أعدّه الخالق لمخلوقه في عملية توجيه الإنسان نحو الكمال المطلق من جهة اخرى. نعم، فمشوار حركة الوجود قد بدأ من العدم، و الأقدام سائرة في خطوها صوب لقاء اللّه، شاء ذلك الموجود أمّ أبى. و قد تحدثت لنا آيات قرآنية اخرى عن السير التكاملى المستمر للمخلوقات نحو خالقها سبحانه و تعالى، و منها. الآية (42) من سورة النجم: "وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى" (النجم 42). و الآية (18) من سورة فاطر: "وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ" (فاطر 18) بالإضافة إلى آيات مباركات أخر. و إلى ذلك المطاف، ستنفصل البشرية إلى فريقين: "فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (8) وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُورًا (9)" (الانشقاق 7-9). فالذين ساروا على هدي المخطط الربّاني لحركة الإنسان على الأرض، و كان كلّ عملهم و سعيهم للّه دائما، و كدحوا في السير للوصول إلى رضوانه سبحانه، فسيعطون صحيفة أعمالهم بيمينهم، للدلالة على صحة إيمانهم و قبول أعمالهم و النجاة من وحشة ذلك اليوم الرهيب، و هو مدعاة للتفاخر و الاعتزاز أمام أهل المحشر.
عن الميزان في تفسير القرآن للعلامة الطباطبائي: قوله تعالى "وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ" (الواقعة 11)، والآية كما ترى تدل على أن هذا التقرب وهو تقرب إلى الله سبحانه حقيقته سبق الإنسان سائر أفراد نوعه في سلوك طريق العود إلى الله الذي سلوكه مكتوب على كل إنسان بل كل شيء قال تعالى "يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ" (الانشقاق 6)، وقال تعالى "أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ" (الشورى 53). قوله تعالى "قوله "لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ" (غافر 15) وهو يوم القيامة سمي به لالتقاء الخلائق فيه أو لالتقاء الخالق والمخلوق أو لالتقاء أهل السماء والأرض أو لالتقاء الظالم والمظلوم أو لالتقاء المرء وعمله ولكل من هذه الوجوه قائل. ويمكن أن يتأيد القول الثاني بما تكرر في كلامه تعالى من حديث اللقاء كقوله "بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ " (الروم 8)، وقوله "إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ" (هود 29)، وقوله "يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ " (الانشقاق 6) ومعنى اللقاء تقطع الأسباب الشاغلة وظهور أن الله هو الحق المبين وبروزهم لله.
|