في كل زمان ومكان الإمام الحسين ع
حِقَبٌ مَضَتْ في إثْرِها تمضي حِقَبْ
والطفُّ تسعرُ في القلوبِ كما اللهبْ
في سفرِ ملحمةِ الخلودِ تصدّرتْ
كلَّ الملاحمِ فهيَ في أعلى الرُّتبْ
كمْ حاولَ الجبناءُ حَجْبَ ضيائِها
واللهُ يأبى نورَهُ أنْ يُحْتَجَبْ
مشكاةُ نورٍ يستضيءُ بها الورى
في مُدلهمّاتِ الخطوبِ وفي النُّوبْ
تجلو الظلامَ عنِ البصائرِ والعمى
فشعاعُها الوهّاجُ يخترقُ الحُجُبْ
والى الحقيقةِ يَهتدي بسراجها
من كان في شكٍ كبحرٍ مضطربْ
لا الشعرُ وفَّى حقَّها يوماً ولا
بلغتْ جليلَ دروسِها كلُّ الخُطبْ
في مسمعِ الدّنيا يُدوّي صوتُها
ويصمُّ أسماعَ الطغاةِ منَ الصخبْ
في الطّفِّ ما انتصرَتْ سيوفُ الأدعياءِ
بلِ الحسينُ بنحرِهِ الدّامي غَلَبْ
فالحقُّ منتصرٌ وإنْ ذاقَ الرّدى
والشرُّ مندحرٌ وإنْ يوماً كَسَبْ
للحق صوتٌ كالهزيم مزلزلٌ
ولظاهُ تلتهمُ العروشَ كما الحطبْ
يا سبطَ أحمدَ وابْنَ مَنْ بحسامِهِ
عنْ وجهِ جدِّك كانَ فرّاجَ الكُرَبْ
لمصابكَ الدّامي بكى أهلُ السّما
واهتزّ عرشُ اللهِ فيهِ مِنَ الغَضَبْ
يا خيرَ منْ للهِ جادَ بنفسهِ
بدمِ الشهادةِ قد تضمّخَ واخْتَضبْ
يا كعبةَ الأحرارِ نبراسَ الهُدى
يا سيّدَ الساداتِ في أسمى حَسَبْ
ومنارَ كلِّ الثائرينَ ومَنْ أبى
جورَ الطغاةِ ومُلهماً لذوي الأدبْ
ذكراكَ خالدةٌ وعاطرةُ الثّنا
وعداكَ إنْ ذُكِروا ففي لَعْنٍ وَسَبْ
ويظلُّ يومُكَ في الحياةِ مُخلّداً
يستلهمُ الأحرارَ في كلِّ الحَِقبْ
لم تَرتشفْ ماءَ الفراتِ بذلةٍ
وبقيتَ ظمآناً عزيزاً مُشْرَئِبْ
آثرتَ موتاً لا انقياداً للعدى
وسواكَ من ماءِ المذلّةِ قد شَرَبْ
فأبيتَ حكمَ مواربٍ مُتجبّرٍ
ساقَ الرعيةَ كالبهائمِ للعَطَبْ
فخرجتَ مُنتفضاً لتُنقذَ أمّةً
إبنُ الطليقِ أذلّها وبها لعبْ
ولقد وقفتَ كصارمٍ في وجههِ
بشجاعةٍ فوقَ التصوّرِ والعَجَبْ ّ!!!
مُتصدّياً للناكثينَ وعودَهُمْ
والناكصينَ ومَنْ عليك قدِ انقلبْ
هل كانَ مثلُكَ في الرجالِ صلابةً
فَبَرَزْتَ وحدَكَ حاسراً جيشاً لَجِبْ ؟!!!
لم تخشْ وسْطَ الظالمينَ مِنَ الرّدى
فمذاقُهُ أشهى لديكَ مِنَ الضَّرَبْ { 1}
إنَّ الحياةَ معَ الطغامِ ذميمةٌ
والعمرُ فيهم ضائعٌ لا يُحتَسبْ
إنّي قصدتُكَ من بعيدٍ زائراً
ومدامعي الحرّى على خدّي صببْ
ما لي سوى هذا القصيدِ لكَ الفدى
فاقبلْهُ يا خيرَ الورى أُمّاً وأبْ
فيكَ القوافي خيرُ ذخرٍ في غدٍ
وتجودُ بالمجدِ الرفيعَِ لمَنْ كَتَبْ
*** *** ***
ما رامَ إبنُ الأدعياءِ بكربلا
الّا انمحاءَ الدّينِ في محوِ النسبْ
بالثأر من آلِ الرسولِ محمدٍ
وشفاءَ صدرٍ بالضغائنِ مُلتهبْ
حشرَ العتاةَ وكلَّ شذاذِ الفلا
ثأراً لبدرٍ حينَ نادى وانتدبْ
حتّى غدا جيشاً لأبناءِ الخطايا
والرّعاعِ الدُّونِ أربابِ الرّيَبْ
وقدِ اشتفى منهمْ ربيبُ أميّةٍ
وكذا الدعيُّ ابنُ الدعيِّ بلا نَسَبْ {2}
تعساً لدنيا يستضامُ بها الهُدى
وبها الزنيمُ ينالُ أغلى ما طلَبْ
بئسَ الخلافةُ أنْ تؤولَ لفاسقٍ
نَطِفٍ وقردٍ فوقَ منبرِها وَثَبْ
قد نالَها غصباً وأُمّرَ عنوةً
كأبيهِ قبلَهُ بالدِّماءِ قدِ اغتصبْ
وكأنَّ تضحيةَ النبيِّ وصحبه
غُنمٌ مشاعٌ في أُميّةَ يُنتهبْ
وتدينُ أمّتُهُ لحُكمِ مخاتلٍ
وضروعها الملأى بكفّهِ تُحْتَلَبْ
وعنتْ لهُ أشياخٌها وصغارُها
إلا الحسينَ أبى يزيداً يُنْتَخَبْ
فشيوخُها كانواعبيداً للطغاة
الحاكمينَ وللدراهمِ والذهبْ
ما هالَهُ جيشُ الطغاة وما انثنى
عن عزمهِ أو هابَ منهم أو رَهَبْ
بالنفسِ والأبناءِ والصحبِ افْتَدَى
دينَ الإلهِ فكانَ أسخى مَنْ وهبْ
للهِ قدْ ضحّى بأقمارِ الهدى
منْ آلهِ وبخيرِ أصحابٍ نُجُبْ
نحو الشهادةِ قد تهافتوا لهفةً
ما لاذَ منهم بالعدوِّ ولا هَرَبْ
لو أثّرَ الدينُ الحنيفُ بأُمّةٍ
ما قاتلتْ سبطَ النبيّ بلا سببْ !!!
قتلتَ بهَ كلَّ المباديءِ والعُلى
ومكارمَ الأخلاقِ بلْ مجدَ العربْ
للآن ما زالتْ تنوءُ بإثمها
في أُمّةٍ هانتْ فهل يُجدي العَتَبْ ؟!!!
ما أثّرَ الكلمُ البليغُ بأمّةٍ
كي تستفيقَ منَ الضلالةِ والشغبْ
أَ يُكذّبُ الحقَّ المبينَ مواربٌ
ويُصدَّقُ النطفُ الدعيُّ وقد كَذَبْ ؟!!!
والدهرُ يجترّ السنينَ يُعيدُها
في عصرنا كلُّ الجرائمِ تُرتكبْ
{1} الضرب : العسل
{2} الدعي إبن الدعي : عبيد الله بن زياد بن أبيه
|