نتعجب اليوم عندما نسمع بعض منتهجي التشكيك بمقالته في إثبات زهد أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام وقلة زاده فلو رجع السيد كمال الحيدري والتفت الى تلك المكتبة العريضة الطويلة وتناول كتاب نهج البلاغة وطالع بعض النصوص الموجودة فيه
والتي تحكي لنا بوضوح زهد أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام
وذلك من خلال الوقوف على أقواله ولو تمعن قليلاً بتأتني في سيرته عليه السلام لتجلت بوضوح الى أي مدى من الزهد حيث لايستطيع عقل هذا المشكك أو غيره فعرف كيف كان يعطي الإمام عليه السلام هذه الامة الدروس والعبر لا سيما لمن اراد أن ينصب نفسه قدوة وأماماً ورئيساً للناس حتى يواسي أضعف رعيته بمطعمه ومشربه ولتعلم منه بنفسه على الاقل درساً صغيراً لاسيما وأنه يدعي منصب فقيهاً من فقهاء مدرسته فلو قرأ رسالته عليه السلام لإبن حنيف:
[أَلاَ وَإِنَّ إِمَامَكُمْ قَدِ اكْتَفَى مِنْ دُنْيَاهُ بِطِمْرَيْهِ، وَمِنْ طُعْمِهِ بِقُرْصَيْهِ.]
وفي قوله عليه السلام:
[وَلَوْ شِئْتُ لاَهْتَدَيْتُ الطَّرِيقَ، إِلَى مُصَفَّى هذَا الْعَسَلِ، وَلُبَابِ هذَا الْقَمْحِ، وَنَسَائِجِ هذَا الْقَزِّ، وَلكِنْ هَيْهَاتَ أَنْ يَغْلِبَنِي هَوَايَ، وَيَقُودَنِي جَشَعِي إِلَى تَخَيُّرِ الاَْطْعِمَةِ ـ وَلَعَلَّ بِالْحِجَازِ أَوِ بِالْـيَمَامَةِ مَنْ لاَطَمَعَ لَهُ فِي الْقُرْصِ، وَلاَ عَهْدَ لَهُ بِالشِّبَعِ ـ أَوْ أَبِيتَ مِبْطَاناً وَحَوْلِي بُطُونٌ غَرْثَىوَأَكْبَادٌ حَرَّى، أَوْ أَكُونَ كَمَا قَالَ الْقَائِلُ:
وَحَسْبُكَ دَاءً أَنْ تَبِيتَ بِبِطْنَة *** وَحَوْلَكَ أَكْبَادٌ تَحِنُّ إِلَى الْقِدِّ
أَأَقْنَعُ مِنْ نَفْسِي بِأَنْ يُقَالَ: أَمِيرُالْمُؤْمِنِينَ، وَلاَ أُشَارِكُهُمْ فِي مَكَارِهِ الدَّهْرِ، أَوْ أَكُونَ أُسْوَةً لَهُمْ فِي جُشُوبَةِ الْعَيْشِ! فَمَا خُلِقْتُ لِيَشْغَلَنِي أَكْلُ الطَّيِّبَاتِ، كَالْبَهِيمَةِ الْمَرْبُوطَةِ هَمُّهَا عَلَفُهَا، أَوِ الْمُرْسَلَةِ شُغُلُهَا تَقَمُّمُهَا، تَكْتَرِشُ مِنْ أَعْلاَفِهَا، وَتَلْهُو عَمَّا يُرَادُ بِهَا، أَوْ أُتْرَكَ سُدىً، أَوْ أُهْمَلَ عَابِثاً، أَوْ أَجُرَّ حَبْلَ الضَّلاَلَةِ، أَوْ أَعْتَسِفَ طَرِيقَ الْمَتَاهَةِ!
وَكَأَ نِّي بِقَائِلِكُمْ يَقُولُ: إِذَا كَانَ هذَا قُوتُ ابْنِ أَبِي طَالِب، فَقَدْ قَعَدَ بِهِ الضَّعْفُ عَنْ قِتَالِ الاَْقْرَانِ وَمُنَازَلَةِ الشُّجْعَانِ.—-الخ](1)
ويتضح هذا جلياً في قوله عليه السلام:[إنَّ الله فرض على أئمّة العدل أن يقدّروا أنفسهم بضعفة النّاس، كيلا يتبيَّغ بالفقير فقره".](2)
وقوله عليه السلام :
[وَاللهِ لَقَدْ رَأَيْتُ عَقِيلاً وَقَدْ أمْلَقَ حَتَّى اسْتَمَاحَنِي مِنْ بُرِّكُمْ صَاعاً،
وَرَأَيْتُ صِبْيَانَهُ شُعْثَ الشُّعُورِ، غُبْرَ الْأَلْوَانِ، مِنْ فَقْرِهِمْ، كَأَنَّمَا سُوِّدَتْ وُجُوهُهُمْ بِالْعِظْلِمِ ،وَعَاوَدَنِي مُؤَكِّداً، وَكَرَّرَ عَلَيَّ الْقَوْلَ مُرَدِّداً،
فَأَصْغَيْتُ إِلَيْهِ سَمَعِي، فَظَنَّ أَنِّي أَبِيعُهُ دِينِي، وَأَتَّبِعُ قِيَادَهُ ،مُفَارِقاً طَرِيقِي، فَأَحْمَيْتُ لَهُ حَدِيدَةً، ثُمَّ أَدْنَيْتُهَا مِنْ جِسْمِهِ لِيَعْتَبِرَ بِهَا، فَضَجَّ ضَجِيجَ ذِي دَنَفٍ ،مِنْ أَلَمِهَا، وَكَادَ أَنْ يَحْتَرِقَ مِنْ مِيسَمِهَا ،
فَقُلْتُ لَهُ: ثَكِلَتْكَ الثَّوَاكِلُ ، يَا عَقِيلُ! أَتَئِنُّ مِنْ حَدِيدَةٍ أَحْمَاهَا إِنْسَانُهَا لِلَعِبِهِ، وَتَجُرُّنِي إِلَى نَارٍ سَجَرَهَا جَبَّارُهَا لِغَضَبِهِ!
أَتَئِنُّ مِنَ الْأَذَى وَلاَ أَئِنُّ مِنْ لَظىً ؟!
وَأَعْجَبُ مِنْ ذلِكَ طَارِقٌ طَرَقَنَا بِمَلْفَوفَةٍ ،فِي وِعَائِهَا، وَمَعْجُونَةٍ شَنِئْتُهَا ،كَأَنَّمَا عُجِنَتْ بِرِيقِ حَيَّةٍ أَوْ قَيْئِهَا، فَقُلْتُ: أَصِلَةٌ ،أَمْ زَكَاةٌ، أَمْ صَدَقَةٌ؟ فَذلِكَ مُحَرَّمٌ عَلَيْنَا أَهْلَ الْبَيْتِ! فَقَالَ: لاَ ذَا وَلاَ ذَاكَ، وَلكِنَّهَا هَدِيَّةٌ.
فَقُلْتُ: هَبِلَتْكَ الْهَبُولُ أَعَنْ دِينِ اللهِ أَتَيْتَنِي لِتَخْدَعَنِي؟ أَمُخْتَبِطٌ أَنْتَ أَمْ ذُوجِنَّة ،أَمْ تَهْجُرُ ](3)
أنظر كيف يمنع عقيلاً من صاع من بيت المال ليرسم عليّ عليه السلام منهج الزّهد عندما يقول:["ليس الزّهد أن لا تملك شيئاً، ولكنَّ الزّهد ألا يملكك شيء]
وأما مايشهد من سيرته وجشب عيشه أولها
ماتشهد به سورة الدهر وآياتها وسبب نزولها حيث يقول تعالى:
((وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً))(4)
وماروى عن سويد بن غفلة قال: (دخلت على أمير المؤمنين عليه السلام القصر فإذا بين يديه قعب (لبن) أجد ريحه من شدة حموضته، وفي يده رغيف ترى قشار الشعير على وجهه وهو يكسره ويستعين أحيانا بركبته، وإذا جاريته (فضة) قائمة (على رأسه)، فقلت لها: يا فضة أما تتقون الله في هذا الشيخ لو نخلتم دقيقه ؟ فقالت: إنا نكره أن يؤجر ونأثم وقد أخذ علينا أن لاننخل له دقيقا ما صحبناه، فقال علي عليه السلام: ما يقول ؟ قالت: سله، فقلت له ما قلت لها: لو ينخلون دقيقك فبكى ثم قال: بأبي وامي من لم يشبع ثلاثا متوالية من خبز بر حتى فارق الدنيا ولم ينخل دقيقه (5)- قال: يعني رسول الله صلى الله عليه واله وسلم
وماروي عن الامام الباقر ع
عن معاوية بن عمار، قال: حدثنا جعفر بن محمد بن علي: قال: (ما اعتلج على علي عليه السلام أمران لله قط، إلا أخذ بأشدهما، وما زال عندكم يأكل مما عملت يده يؤتى به من المدينة، وإن كان ليأخذ السويق فيجعله في الجراب، ثم يختم عليه مخافة أن يزاد فيه من غيره، ومن كان أزهد في الدنيا من علي عليه السلام ؟(6)
وقال أبو جعفر الأسكافي: (وبلغ من صبره ما أن كان الجوع إذا اشتد به وأجهده خرج يؤجر نفسه في سقي الماء بكف تمر لا يسد جوعته ولاخلته، فإذا اعطي اجرته لم يستبده وحده حتى يأتي به رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وبه من الجوع مثل ما به، فيشتر كان جميعا في أكله (7)
وأما وصفه بالانزع البطين فليس كما ذهب بعضهم ويشير الى هذا الحديث المنقول عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) :
(يا علي, ان الله قد غفر لك ولذريتك ولشيعتك والمحبي شيعتك, والمحبي محبي شيعتك, فابشر فإنك الانزع البطين, منزوع من الشرك, مبطون من العلم) (8)
وبصراحة أقول لهذا المشكك اين أنت من تلك النصوص وتلك الروايات عندما تطالب بإثبات زهد أمير المؤمنين عليه السلام؟
الم يكن الاجدر بك وأنت تدعي العلم ان تطالعها ثم تحكم؟!!!
الم تطالع ماشهد به عدوه معاوية في زهده أمام عقيل وأمام ضرار ؟
س احمد س معلان العلوي
—————————
1- نهج البلاغة، قسم 6الرسائل / الرقم ٤٥
شرخ نهج البلاغة لابن أبي الحديد 16/287).
2-نهج البلاغة 2: 204
راوه الطبرسي في مجمع البيان 5: 88), ،
3-نهج البلاغة ص553-ص554
4-سورة الدهر
|