أيها الإنسان.. أنك في الدنيا ضيفاً وموظفاً
{لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} الحديد/25
الإنسان محور الكون والحياة أكرمه الله تعالى على سائر الخلق {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ}الإسراء/70 وأنعم عليه بنعم لا تحصى ولا تعد ومن نعمه تعالى عليه أن أرسل إليه الأنبياء بالحجج والبراهين الدالة على نبوتهم، والهداية إلى سبيل ربهم، إلى الحق والعدل والاستقامة.
وبالطبع تحتاج هذه النعم إلى تقنين ونظم في استعمالها من خلال تهيئة الإنسان بهذه الإمكانيات، لإقامة العدل والقسط والعمل بمفاهيمها والتحرك لتطبيقها خدمة لبني جنسه ووعياً منه بدوره الذي أريد له- ولكن.. مهما ارتفع الإنسان بمسؤولياته فلن يكون إلهاً فهو لا يرتفع إلا في دائرة الإنسانية.
ورغم صغر كتلته ومحدوديته فإنه عظيم في طاقاته وقدراته فإذا استثمر كل مواهبه وكما أريد له كان أكرم الموجودات ففي كل طاقة في الإنسان قابلية للنمو والتطور، ألا تجد أن كل شيء في الحياة يستهلك بالحركة إلا الإنسان فهو ينمو بالحركة ويتضاءل بالجمود!! لذا كان تطور الإنسان هو الغاية من التكوين وهو الوسيلة لتطوير نفسه وتطوير الكون معه بإثارة الأرض وعماراتها والتعاون والانسجام مع الآخرين فالإنسان هو الهدف والوسيلة.والواقع أن الإنسان كثير الطموح ولكنه محدود القدرة وطموحه أكبر من الدنيا وهذا ما يجعله في صراع دائم معها لأن أشياء هذه الدنيا اقل من مطامحه، فحينما يطمح ويصدمه الفشل ويجرح طموحه أو يجعله يشعر بالنقص أو القصور يدفعه ذلك إلى إزالته أو إنكاره فيحاول أن يحشد أكبر قسط ممكن من مظاهر الحياة حوله ويتمسك بمباهجها ويعمل كل ما يشجع أنانيته ويقوي فيه رغبات الدنيا ويؤدي إلى تقليص دوره الرسالي في الحياة.وقد يوظف ميزاته لجمع المال وادخاره فيعتقد مثلاً إن كل ما وضع عليه يده ونشر عليه سلطانه، فهو ملك له سواءً كان شرعياً أو غير شرعي، فالمشكلة: إن الإنسان لا تمتلئ فراغاته أبداً إلا إذا امتلأت بما يناسبه، فقد يدفعه الفراغ إلى الشعور بالكبرياء فيشط به الخيال إلى الشعور بأنه أكبر من واقعه.
أما العظماء وأصحاب النفوس الكبار يزهدون في الحياة الدنيا ويعرفون الطرق المثلى لإثبات ذاتهم، فلذا تراهم ينصرفون عن مباهج الحياة وزخرف الدنيا، ولا يعانون من مركب النقص ولا يحتاجون إلى المظاهر، ولا يهتمون بها لإستجداء اهتمام الآخرين بهم أكثر مما يعنيهم تحشيد معاني الحياة والحكمة في داخلهم.
ويرى العظماء أن المنصب والشهرة والرتبة ليست ملكاً لهم، وقد وظفوا في ذلك لتستغل طاقاتهم في إدارتها.
وإذا كان الشارع قد نعت الإنسان بالمالك لبعض الأرض، إنما هو تخويل له في إدارتها واستغلال طاقاته في استثمارها {أَلا إِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ }يونس/55 إن توظيف الإِنسان لتحريك عجلة الحياة إنما هي نزهة جُبل عليها وهي غرس غرسه الله في ذاته {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ }هود/61 فيا أيها الإنسان إنك في الدنيا ليس إلا ضيفاً وموظفاً اعرف وظيفتك اعرف مسؤوليتك لا تكن كالسيل الذي ينحدر بلا ضوابط فأنت المصدر والمصب منك يصدر السعي وإليك يعود وأنت لا تملك من الدنيا إلا سعيك{وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى}النجم/39 ولا تجعل سعيك ضائعاً {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا}الكهف/104 واعلم أن سعيك ثابت- صوتاً وصورة {قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى}طـه/52 وإن كنت لا تراه في الدنيا فإنك سوف تراه في الآخرة {وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى} النجم/40 مالك تكون قبل الزعامة شفافاً ثم تكون بعدها معتماً؟ فبإمكانك أن تجعل الحياة جميلة ذات شعاع في كل زاويات وفي كل البقاع.واعلم أن كل إنسان في خُسران مستمر للعمر {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}العصر/3 فإن نقصان الزمان ليس خسارة لهم{يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ}الانشقاق/6 أما آن لك أن تتذكر دورك في إقامة العدل والقسط؟
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ } النساء/135.
أما آن لك أن تعرف وظيفتك أيها الإنسان؟
|