ولّت سنيّ الخوف والرعب والتلثّم بجلباب الديجور والسير على حافّات المياه روماً لحرم المولى الإمام، لتحلّ مكانها ملحمة الزحف الميليوني العابر فوق برد الليالي وحرّ الأيّام.. باندفاعٍ ذاتيٍّ وعشقٍ ولائي نحو ايقونة الغرام وملحمة الهيام، بطيّ المسافات الطوال مشياً على الأقدام شوقاً لكربلاء السبط الهمام.
ملائكيةُ العراقيين في أربعين الحسين حقيقةٌ وضّاءةٌ فاقت تصوّرات المخيال البشري وألقت بظلالها على سرديّات التاريخ المريب الموازي حتى علت باسقةً في منازل الوجدان الإنسانيّ النقي.
وإثر السيل البشري الهادر ترى الكثيرين يؤدّون آداب التحية والزيارة دون الدخول إلى حرم السبط الشهيد، ثم يكرّون راجعين للديار دون الوصول للمضجع الشريف؛ فقد حصل المقصود وتمّ المطلوب! يا له من عشقٍ وولاءٍ تشرئبّ له الأعناق وتنحني له الرؤوس بكلّ احترامٍ وإجلال.
وياللسرّ الذي لا يُدرَك! ترنو الملايين بلهفةٍ وولَهٍ إلى مثوى رجلٍ قُتل قبل أربعة عشر قرناً خلت.. تمشي إليه بلا طمعٍ ودون أيّ مطمح، بل تسترخص الغالي والنفيس بفخرٍ واعتزازٍ خانهما بيانُ القلم والقرطاس.
فما كنه هذا الدافع الذي يُلهب الخلق حماساً ولا أشدّ وحضوراً ولا أكثر، عاماً بعد عام ، لإحياء أربعينية ذبيح خليفة المسلمين؟! هل من تفسيرٍ لهذا اللغز المحيّر والحزن المتجمّر في قلوب المحبّين؟
لِمَ لا تبادر مراكز البحوث والدراسات الاستراتيجية لتقييم شعيرة الأربعين طبق الأُسس العلمية والمناهج المعرفية؟ أم أنّها تخشى النتائج التي تقود إلى جدولة أساسية في نوع التصوّر الحاكم على عقل وشعور الآخر المغلوب على أمره إثر التضليل الثقافي والتعتيم الإعلامي المزركش بطلاء حرّية القلم والبيان، هذه الحرّية العاملة هنا والمعطّلة هناك بفعل المصالح الراجحة على القيم والأخلاق وحاجات الإنسان.
إنّ البحوث المختصّة إن جرت على النسق المناسب فإنّها تُحدِث الصدمة الفكرية الحاسمة واليقظة الأخلاقية المؤثّرة، وتحاكم الرؤى الزائفة والمبادىء الفاسدة في المجتمعات المضلَّلة، ممّا يؤدّي إلى نقلة معرفية هائلة تعيد انتشار الأفكار التائهة.
والنهج الإعلامي العدائيّ المدروس خير شاهدٍ على ما نقول، فلا شكّ أنّهم إن واكبوا الأربعين الحسيني بمهنيةٍ أُسوةً حتى بسائر الأحداث الأقلّ شأناً وأهمّيةً فلن يحصدوا سوى الانهزام إزاء عظمة الحسين الشهيد، ممّا سيترك أخطر الأثر على تفكير الفرد الغربي والشرقي على السواء، فيسعى فاحصاً مستفهماً عن أسباب مليونية هذا الحدث النابض بالمُثل والفضائل التهذيبية العالية.
ولا غرو أنّ المخلوق البشري ميّالٌ بطبعه للانتفاض على التكرار المملّ؛ وأربعينية الحسين بما فيها من الحسّ الإنساني العفوي والأُسّ الديني الاستدلالي والحركة الموّارة والإثارة المتجدّدة، فإنّها فرصة الاستقطاب الذهبية نحو تغيير قواعد المعادلات الفكرية لصالح النظم الإلهية والمبادئ السماوية.
نحن نتحمّل قسطاً وافراً من اللوم والتقصير؛ حيث لم نعمل بعزمٍ وحزم كافيين على تحفيز وتنشيط الفضاءات العلمية بأدوات الجذب المناسبة للتعريف بهذه الشعيرة تعريفاً شافياً وافياً، بل تجدنا ندور غالباً في فلك الأحاسيس الآنية دون التنقيب المعرفي والضخّ المنهجي المفعم بالحركة التواصلية.
إنّ أربعينية الحسين كنزٌ ألماسي ولا أثمن، كبريتٌ أحمر ولا أشبه، كيمياءُ حياةٍ وإكسيرُ خلاصٍ ولا أنقى؛ حيث نفحات الخير ونسائم الإيمان ورشفات الفلاح التي لا تجفّ ولا تُبلى.
لذا فإنّ المرجعية الدينية والمراكز العلمية والمعاهد الثقافية والمعاقل المختصّة برموزها ونخبها ومحاورها، يقع عليها العبء الأكبر والمسؤولية الأهمّ في هداية الأحاسيس الصادقة والمشاعر الجيّاشة نحو السبيل الأقوم والخير الأدوم، من خلال التعريف بالبوصلة السليمة الموجِّهة نحو مرابع الخير وبيادر الفلاح.
لسنا أبداً بوارد البحث في المنافع والمضارّ الاقتصادية والسياسية الناتجة من ملحمة الوفاء، حتى غاص البعض في قاع الحسابات الرقمية محلّلاً ومنتقداً ومقترحاً إنّما ندعوا إلى توظيف واستثمار المشاعر الميليونية الصادقة عبر تشييد المشاريع الأخلاقية المنتجة والمؤسّسات الإنسانية الفاعلة، والعمل على تثبيتها وتنميتها، ولا يُنجَز ذلك إلّا بالمناهج الدقيقة والآليات الرشيقة والحُلل القشيبة التي تجعل من زيارة الأربعين منصّة انطلاقٍ صوب الرقيّ الأخلاقي والكمال الإنساني.
|