• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : أم ابيها  .
                          • الكاتب : مروة محمد كاظم .

أم ابيها 

 رُقية بنت الحسين (عليهما السلام ) هي جدتها فاطمة الزهراء (عليها السلام ) ، وجدتها فاطمة الزهراء (عليها السلام) هي رقية(عليها السلام) ، كلاهما صورةٌ واحدةٌ قد عسكتها مرآةُ التأريخِ لنا بين ازمنةٍ متفاوتة، فإن رُمتَ أن تستشفَ حبَّ الزهراء (عليها السلام) لأبيها نبي الرحمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فانظر في حفيدتها رقية بنت الحسين (عليهما السلام) ، فكلاهما أم أبيها، لم يعرف التأريخُ عشقَ الأبوةِ كعشقهما لأبويهما حتّى اتحدتا في الكُنى وصارتا روحًا واحدةً تشعرُ إحداهما بالأخرى..
رقيةُ كانت هي والحسينُ(عليهما السلام) جملةً شرطية لايكتمل فعل شرطها إلا بجوابها وكمبتدإٍ لايكتمل إلا بخبره كفعلٍ لا يكتمل إلا بفاعله... تعاهدا أن يكونا معا دوما وابدا ، أينما حلّ الحسين حلّت رقية وأينما رحل الحسين رحلت رقية، كانت رقية للحسين (عليه السلام ) كجدتها فاطمة الزهراء (عليها السلام) لأبيها نبي الرحمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، كانت ترافقه إلى كربلاء لتحيي معه شعيرة العشق الإلهي ولتطوف حولَ جسدِ أبيها الحسين (عليه السلام) ولكن ايّ طوافٍ وهن مكبلاتٍ في حرم الله ؟! يطوفنّ على الهوادج من جسدٍ إلى جسدٍ ، محروماتٍ حاسراتٍ باكياتٍ صمتًا خشيةَ السياط ، محروقاتِ القلوب ، والنارُ مازالت تحكي طهوَ طبخةِ الحربِ التي ظنّ يزيدُ وأعوانُه أنّهم طبخوها في قدورِ الحقّ لصالحهم، فبئسَ ماطبختْ قدورُهم من الباطل، وتبّتْ أيديهم وشُلّت وأحرقت بنارهم الضارمة.. 
يُدلهمُ الليلُ بعتمتهِ الموحشةِ على رقية فتبادر رديفتها الصديقة الطاهرة بمناجاتها أن لاتخافي ياعزيزة الحسين ، عليكِ برقية الحسين يازينب اذهبي لتفقدّها .. فتذهب زينب فتجدها خائفة فتضمها إلى صدرها ، وتبادرُ أم أبيها بالسؤال:
- عمتي زينب ، أين أبي الحسين، لقد تأخر وأخشى عليه من انسدال الليل على وجناته القطنية؟!!
- حبيبتي لاتخافي ، لعلّ موضع الماء بعيدٌ بعض الشيء مما دعاه إلى التأخر، هل مازلتِ عطشى؟
- لا اريدُ ماءً ياعمة.. أخبري والدي بأنّه هو الماء الذي يروي عطشي..
كانت تنظرُ مستظلّةً بيديها الصغيريتين باحثةً عن مائها الحسين عليه السلام، فإن حصلت على قطرةِ ماء خبأتها لحبيبها الحسين حتى جفّ الماءُ من راحتيها...
تنظرُ من باب الخربة الموحشة كأنها هيكل إنسانٍ أكلت لحمه السباع ونخر عظمه الدود ، وهي تجرّ بطرف عباءة عمتها زينب:
- إلى أين يذهب هؤلاء الأطفال ؟
- إلى منازلهم وأهاليهم يا حبيبتي.. 
-أوليسَ لنا منزلًا لماذا لانذهب إليه.. ماذا نفعل في هذا المكان الغريب عنا.. وأين اهلونا؟!
ترقرق الدمع في عينيّ عمتها وهي تمسح على رأسها، وتقول:
- أهلنا في سفرٍ يا حبيبتي ، ونحن هنا بانتظار عودتهم ليأخذونا...
تنهدت رقية بأنفاسها تجرّ بحسراتها لحُسينها الذي ذهب ليجلبَ لها الماء ولم يعد...
لاح لها نزول حمرة الشفق على شفاه مُحيّا الشمس المدوّر ، راحت تسأل عمتها:
- عمتي زينب هل معكِ سجادة صلاةٍ كالتي كنت أفترشها لأبي، لعلّهُ يأتي بعد لحظاتٍ ولايجد سجادة الصلاة... 
نظرت عمتها يمينًا وشمالًا حيث لايوجد إلا ترابُ الخربة الذي افترشه لهم الزمن السحيق ، فما عساها أن تفعل ، فقالت:
- بنيتي الحبيبة، والدكِ سفرهُ طويل اصبري لحين عودته..
بدأت تبكي روحُ أبيها، والرأس السامق فوق رمحه قد أدمعت عيناه ، والجوى قد فتت صمودِ صبرها ، فمتى ترى مُحيّاه..
بكى كلّ شيء معها ، حتى تهرأت جدرانُ الخربة حزنًا على آلامها..
هدّأت من روعها عمتها زينب و أسرعَ الليلُ ليُرخيَ سدولُهُ عليها حتى تنامَ ابنةُ الكِرام...
خفقَ القلبُ و اهتزت الأرضُ وصرختْ رقيةُ (عليها السلام) كثوّار الطفوف بقلبها الملهوف ودمعها المذروف على قمرها المخسوف..
ثم صاحت بصوتٍ متهدِّجٍ:
-عمتي زينب رأيتُ أبي الليلةَ حزينًا جدًا اشعرُ بأنّهُ ليس على مايرام .. إنّه يناديني أريد الذهاب إليه الآن...
علا صراخها وبكاؤها صمتَ ذلك الليل البهيم، ولعمري أنّ العرشَ قد اهتزّ لبكائها، أي والله...
كان صراخها كأنه سهم ثائرٌ قد جَعجَعَ رأسَ الطاغيةِ يزيد كأنّه ينادي(يالثارات الحسين) طالبًا بذحول الأنبياء وأولاد الأنبياء...
نادى الملعونُ في الأرض والسماء، يزيد ابن الطُلقاء : ما هذا الصراخُ والبكاء..
قيل له: بُنيةً للحسين تدعى رقية ، تطلب رؤية حسينها وتريد أن تعرفَ القضية..
-ماذا؟!!
أتوا لها بطبقٍ مغطى ، خذي يا رقية..
شممتُ ثراكَ فهبَّ النسيم... نسيم الكرامةِ من بلقعِ
أخذت تتلمس الغطاء المنسدلُ على رأسِ سيد الشهداء ثم ازاحته قليلا ورأته... 
- أبي ، أهذا أنت؟! أين كنت؟! كيف اختصروكَ في طبقٍ صغير ياعظمتي وهيبتي، يابراءتي المؤودة.. يادوحتي المجذوذة، أخبرني كيف سأتنفس بلا شهيقك؟!
نظر الرأس وكأنّه يكلّمها بعينينِ محمرتينِ منهمرتين بالدموع: 
- بنيتي رقية، ماذا تفعلين هنا في الخربة؟! أريني يديكِ الناعمتين كيف استطاعت مَسكهُما القيود ياحُرّتي... 
مدت يديها تمسحُ عن وجهه الدماء فأحسّ والدها بخشونة أصابعها الصغيرة، فبكى... قبّلتْ شفاهه بشفاها الذابلتين فزادَ بكاؤه، فقالت:
- ما الذي يُبكيكَ يا حبيبَ بُنيتِكَ رُقية؟!
-بنيتي شفاهكِ مازالت كأرضٍ يابسةٍ متشققة من العطش، ألم يسقوكِ الماء بعد؟!
- كلّا ياوالدي ، فمازلتُ منتظرةً لمائكِ الذي وعدتني به وها قد ارتويت من رؤيتك..
ثم حَنَتْ عليه لتضمَّهُ إلى صدرها فتألمت..
- بنيتي الحبيبة، ماالذي يؤلمكِ أخبريني؟
- إنها أضلاعي يا أبتي من ضرب سياطِ بني أمية ، أنا متعبةٌ جدًا خذني معكَ كي استريح... 
-عمّا قليل ستكونين بين أحضاننا يا بنيتي..
-أشمّ رائحة دخانٍ من ثوبكِ يا بنيتي؟!
-إنّها من حرق الخيامِ يا أبتي، عندما غاب شخصكَ عني، رحتُ أتفقدكَ بين الخيام فلم أجدك فتماطرت النارُ علينا يا أبتي بلا رحمة وشفقة ، حتى نار القوم يا أبتي لم ترحمنا ولم تحرك ساكنًا..
-آه ، يا أم أبيكِ صبرًا على البلاء يابنيتي فإنّ موعدنا الجنة، تجهزي فجدتكَ بانتظاركِ ستلبسكَ ثيابًا فردوسيةً لا حرقَ فيها ، هيا معي فلن يستطيعَ أن يؤذيكِ أحدٌ بعد الآن فستكونين عمّا قليلٍ معي هناك... 
ثم أغمضت عينيها وسجد رأسها على رأس أبيها وسكنت لتردّ لليلِ صمته و للعيونِ نومها وللباكين بكاؤهم وللمشتاقين شوقهم.. رقية رقة وتراقي وحرية وثورة حملت شعارها براءة مؤودة عجزت عن فقهها بني أمية...




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=125369
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2018 / 09 / 28
  • تاريخ الطباعة : 2025 / 03 / 14