في الشهر الماضي أستذكرنا مرور 11 عاما على تحقيق منتخبنا الوطني بكرة القدم واحدا من أفضل الأنجازات التي تحققت لكرة القدم العراقية إن لم يكن الأنجاز الأفضل في تاريخها الطويل والعريق عندما خطف أسود الرافدين في ملحمة كروية حقيقية وخالدة كاس أمم اسيا الذي تغنى به العراقيون وتوحدوا خلفه بالطريقة التي قدمت للعالم صورة بهية، بل وأعجازية عن بلد عظيم وشعب أعظم في إجتراح المعجزات وتحقيق الانجازات كما العنقاء في الأساطير الصينية الأثيرة التي تنهض من تحت الرماد، فكان الفوز بالكاس الاسيوية ملخص بانوراما حية لشعب حي وحضارة حية لن تموت ولن يخبو بريق توهجها مهما كانت الخطوب ومهما كانت التحديات ومهما اختلفت أقنعة الارهاب وأثواب الأرهابيين.
هذا الانجاز الكبير وبقدر فرحتنا التي لم تسعها الارض يوم تحقيقه كنا نتوقع أن يكون منطلقا حقيقيا ونقطة توثب مثالية لأعادة رسم خارطتنا الكروية التي تسودها الفوضى والارتجالية وأنعدام التخطيط وتغليب المصلحة الخاصة على المصلحة الكروية العامة لدى من يمسكون صولجان القرار في المشهد الكروي العراقي، ونقصد به اتحاد كرة القدم الذي توقعنا وكنا من بين القلة في هذا التوقع أن يضحى الانجاز الاسيوي التاريخي بمثابة بداية النهاية له طالما عرفنا وخبرنا الأساليب والطرق القاصرة والمتخبطة التي ينتهجها اتحاد الكرة في التعاطي مع مختلف الشؤون الكروية في البلد. ومع قناعتنا الثابتة التي يشاطرنا بها كثيرون بأن الفوز باللقب الاسيوي لم يكن نتاج تخطيط أو تدبير منطقي وعلمي على وفق ما تعمل به المنتخبات الكروية المتحضرة في العالم بقدر كونه نتاج حرص واندفاع ممتزج بالغيرة العراقية المعروفة للاعبينا مع بعض الحظ والاستفادة من نتائج الفرق الاخرى, إلا أننا تمنينا أن يكون هذا الفوز الكبير مفتاحا لأبواب جديدة تدخلها الكرة العراقية وقد أرتدت أثوابا عصرية صحيحة تنسجم مع تطلعات شعبنا في مسايرة العصر واللحاق بقافلة التقدم التي لا تأتي بالتمنيات، بل بالعمل الصحيح لكن تلك التمنيات أستحالت سرابا في ظل حضور العقلية الكلاسيكية التي تتعامل مع مفردات كرة القدم والمنهجية المنفعية التي صارت أولوية قصوى لدى معظم من يحكمون ويتحكمون بمقاليد الأمور الكروية في البلد. وهكذا بدأت وبعد أسابيع قليلة من تحقيق الانجاز الذهبي الاسيوي معالم التراجع بل والانحدار نحو الهاوية عبر عدم الاستفادة من مدلولات الانتصار ومعطياته في خطوات وقرارات تصحيحية تصب في خدمة المنتخب الاول الذي كان بحاجة الى معالجات جذرية تضع أساسات قوية له بدلا من أعتباره خطا أحمر لا يجوز الاقتراب منه أو محاولة أحداث التغييرات فيه، فحدث ما يشبه التاكل والاندثار الداخلي في المنتخب نفسه، فانهارت المقومات الصحيحة القليلة المتبقية فيه، وسادت صور الغرور والتمرد والتقاعس لدى لاعبيه، وما زاد الطين بلة اجراءات اتحاد الكرة التي اكدت عجزه وقصور رؤيته في التعاطي الصحيح مع ملف المنتخب الوطني، فزادت اجراءات الاتحاد بتبديل المدربين وضياع المتابعة والاشراف الصحيح والتخبط الاداري في ضياع هذا المنتخب وتلاشي معالمه الجميلة، فكان الاخفاق في تصفيات كاس العالم المسمار الاخير في نعش المنتخب الذهبي.
وبرغم كل الانثيالات الحزينة بل والمؤلمة التي تلت تحقيق انجاز الذهب منذ أكثر من 11 عاما الا أن صورة البطولة العراقية الخالصة تبقى حاضرة في الأذهان كما هي منقوشة على جدران الذاكرة وحنايا الصدور. ومادام العراقيون أصحاب موروث حضاري عظيم تعززه قيم الرجولة والنخوة والغيرة التي لا تجدها لدى سواهم، فأن تكرار الانجاز ليس بالأمر المستحيل لكنه في الوقت ذاته لن يتكرر بسهولة، وإذا أردنا تكراره فعلينا تخطي أسباب وعوامل الانحدار من أجل التوثب والانطلاق في طريق العمل الصحيح وهو خيار ليس بالهين .. وللحديث بقية.
السطر الأخير
**حينما يسير اللصوص في الطرقات أمنين, فهناك سببان: أما النظام لص كبير, أو الشعب غبي أكبر.
لي كوان يو
|