• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : ثقافات .
              • القسم الفرعي : ثقافات .
                    • الموضوع : ولن يتغيّـر وَجْهُ النّـيـل ..! .
                          • الكاتب : ياسمينة حَسِبي .

ولن يتغيّـر وَجْهُ النّـيـل ..!

كان حُــزنُـه طـاعنًا، وملامحه تتقمّصُ الموت الزّؤوم، نظر إلى وجهه في المرآة ثم أسرع يُخفيه بكلتَـا يديهْ خوفاً من لحظةِ ضعفٍ تجْعله يتراجعُ عن قراره.
جلَس على السّرير وهو يحدّق في الفراغ، وبدون شعور، رسم بأصبعه خريطة البلاد على حافة السرير، إنّه يحفظها عن ظهر قلب، بعثرها ثم أعاد رسْمَها من جديد دون تفكير وتذكّر أَن أوّل من رسم الخريطة كان عربياّ، أحبّ مصر كثيرًا وحدّد مصدر نهر النّـيل الصّحيح على خريطة العالم.
تحَامل على نفسه وهو يتّجه ناحية دولاب الملابس، فتحه فطالعتَه الملابس العسكرية الجميلة بِـنياشينها الفضية والذهبية، أغلبها كان إرثاً من والده يفتخر به دون حدود، إبتسم وهو يقلّبُها بين يديه، كان والده قياديّا في الجيش برتبة لواء وشارك في حرب أكتوبر واستعادة سيناء، مات بعد أن زرع في نفسه حبّ الوطن.
ارتدى بدلته العسكرية بتثاقل شديد وهو ينظر إلى محتويات الغرفة في لا مبالاة، وفجأةً...وقع نظره على الصورة الكبيرة المعلّـقة على الحائط فخنقته غصّة حارقة .. كان أبوه يقف بكل اعتزاز مرتدياً بدلته العسكرية في وسط الصورة والى يمينه جلست والدته وعلامات الرضى والفخر تضيء وجهها، عاشت لزوجها -وبِـه- ولم تكن ترى الوطن إلا من خلال عيونه، انتفض كالطير الذبيح وهو يتذكّر موتها منذ أيّـام بالمستشفى ... ثم قلّب ناظريْـه في الصورة من جديد لتُطالعه ابتسامة أخيه علاء فتنغَرز سكاكين الألم في قلبه بقسوة، شابٌّ في مقتبل العمر تخرّج من كلية الهندسة حديثا، لم يُمهله الظلم والاستبداد حتى يحقّق أحلامه ففارق الحياة منذ ثلاثة أسابيع متأثرا بجروح بليغة اصيبَ بها في ميدان التحرير، وكل ذنبه انه كان يهتف " تحيا مصر" وفي الوقت ذاته، كان حسام وفرقته (يَضْبطون) الأمور بنفس الميدان ..
لم يعلم بموت أخيه إلاّ من الصحف لكنه لم يستطع ان يأخُذ إجازة بسبب الوضع الحرج للبلاد.
استطاع العودة إلى البيت بعد أسبوعين من الحادث ليجد والدته في المستشفى تنازعُ الموت حزنا على أخيه، وما لبثت أن أسلمتِ الروح لبارئها بعد عودته بأيام قليلة..
أما أخته هند فلازمت أمّها في المستشفى طوال فترة مرضها وكانت، بين الحين والآخر، تذهب للميدان وكأنها " تـتـفقّـد" كل أهلها هناك.
شاركت في الثورة بكل كيانها وكانت تُـرافق علاء (يدا في يد) وتهتف مع النساء : "نحن نصف الثورة وشقائق رِجالها"، في حين كان (هو) ورفاقه الضباط ينزلون للميدان لقمع المتظاهرين بكل ضراوة ولخنق أصواتهم المنددة بالظلم إمتثالا للأوامر العليا (ولمصلحة البلد كما كان يقول رئيسه) .
عاد الى نفسه ثم أَكمل ارتداء بدلته العسكرية ، (كان حسام ضابطا برتبة عقيد تزين بدلته شارة عليها نسر ونجمتين).
خرج من البيت يقدّم رِجلا ويؤخّر أخرى، أوقف سيارة أجرة وطلب من السائق أن يتّجه به الى مقـرّ المجلس العسكري ، نظر اليه السائق بغضبٌ ممزوج بتوسّل غريب ثم انطلق بسيارته دون أن ينبس بشفة.
دخل المبنى واتّجه بخطوات متردّدة الى مكتب رئيسه، طرق الباب ثم دخل ..
بادره رئيسُه بالسلام ثم أضاف :
لماذا تأخّرت يا حسام ؟ ...لقد عاد المتظاهرون من جديد الى ميدان التحرير، خذ الفرقة واذهب إلى هناك ، لا تتركوا الأمور تستفحل، لابدّ من إيقافهم عند حدودهم، إستعملوا كل الوسائل، انها الأوامر العليا ...
نظر حسام إلى رئيسه في صمت ثم مدّ يده بورقة مطوية بعناية .. فتحها الضابط وفغر فاهه : إستقالة ؟
لماذا يا حسام ؟ متأسف جدا لما حصل،وأتفهم فقدانك لوالدتِكَ ولأخيكَ... لكنّك لا تستطيع أن تستقيل الآن فالبلاد في فوضى ..
أجاب حسام بصوت حزين: لا يا سيدي، الأمر أكبر من فُقْـداني لوالدتي وأخي...
أستقيل لأنني لا أريد أن " أفقِد" مصر..
أستقيل لتعود الأمور الى نصابها
وأستقيل لتنعم البلاد وينعم الشعب بالأمن والأمان..
لم ينتظر ردّ رئيسِه، أدار ظهره بعد التحية العسكرية ثم خرج كأن الأمر لم يعد يعنيه...
كان يعلم ان استقالته ستترتّب عليها عواقب وخيمة وكان يعلم أيضًا أنها لن تمحو آثار جراحه العميقة والتي لا ولن تندمل، لكنه أحسّ براحة نفسية وهو يأخذ هذا القرار..!
إحتضن الشارع المليء بالناس في اتجاه الميدان ..
كان يمشي والافكار تتزاحم في رأسه، أصوات كثيرة تجمهرت في أذنيه وكانت كلّها على نغمة ووتيرة واحدة : "تحيا مصر" ...
وصلتْ إلى أسماعه أصوات النّساء تندّد بالظلم والاستبداد وتدعو للتغيير، تذكّـر أخته هند؛ فخفق قلبه... لابدّ وأنها موجودة في هذه الجموع ..
تمنّى ان يسرج قلبه لهذي الأرض التي سُفحت عليها دماءٌ غالية ، تمنّى أن يحتضن هذه التربة ويطير فارداً لها جناحيْه ليَحْـمِيهَـا.
اتّخَـذ طريق كوبري قصر النيل وهو يتذكرّ المواجهات التي وقعت بين الأمن و المتظاهرين على هذا الكوبري ثمّ اتجه بنظره إلى (وجه) النيل...
كان النيل هادئا كعادته لم يبدُ عليه أيّ تأثر بما يحدث فوقه أوعلى جنباته ، ردّد بينه وبين نفسه (في فخر ) "ذاك هو النّيل .. كان وسيظل صامداَ على مرّ الزمن".أسرع الخطى الى البيت، لم يكن يلتفت لا يمنة ولا يسرى..
لم يكن يرى كلّ تلك الوجوه الحزينة والغاضبة..
لم يكن يستطيع النّظر في العيون ، وحدها المرارة كانت تلفّ روحه فلم يدرِ كمْ من الوقت استغرق رجوعه إلى البيت ..
فتح الباب ثم دلَـف مسرعا الى حجرته ، نزع بدلته العسكرية ونظر إليها " في خََجل" ثم علّقها بعناية على المشْجب..
اغروْرقت عيناه بالدّموع فجأة...فارتمى على السرير وأخفى وجْهه في الوسادة ثم أجهشَ كالطّفل في نوْبة بكاء.
 




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=12383
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2011 / 12 / 23
  • تاريخ الطباعة : 2025 / 03 / 12